رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

سوق الاتصالات بين الحاضر والمستقبل.. هل نحن على أعتاب عصر رقمي جديد؟

ارشيفية
ارشيفية

في كل مرحلة من مراحل التاريخ الإنساني، كانت وسائل الاتصال هي المرآة التي تعكس مستوى تطور الحضارة وقدرتها على تجاوز حدود المكان والزمان؛ فمن الرسائل التي كانت تحملها القوافل عبر الصحارى، إلى الإشارات اللاسلكية التي تعبر القارات في أجزاء من الثانية، ظل الإنسان يسعى دائماً إلى تقليص المسافات بينه وبين الآخر، ليس فقط جغرافياً، بل معرفياً وثقافياً أيضاً.

وفي هذا السياق، لم تعد شبكات الاتصالات مجرد بنية تقنية تنقل البيانات، بل تحولت إلى شرايين رقمية تضخ المعرفة والاقتصاد والابتكار في جسد المجتمعات الحديثة.

ومع دخول العالم عصر الثورة الصناعية الرابعة، أصبحت سرعة الاتصال وجودته معياراً جديداً لقياس قوة الدول وقدرتها على المنافسة في الاقتصاد الرقمي؛ فالتكنولوجيا لم تعد رفاهية، بل أصبحت بنية أساسية تشبه في أهميتها الطرق والموانئ والطاقة.

 شبكات الجيل الرابع والخامس

ومن هنا يبرز التحول نحو شبكات الجيل الرابع والخامس بوصفه خطوة تتجاوز حدود التطوير التقني، ليشكل تحوّلاً عميقاً في طبيعة الحياة والعمل والتعليم والإنتاج.

وفي مصر، التي تقف اليوم عند مفترق طرق بين ماضيها التنموي وطموحاتها الرقمية، يمثل تطور قطاع الاتصالات فرصة استراتيجية لإعادة رسم ملامح الاقتصاد والمجتمع؛ فالتوسع في شبكات الإنترنت عالية السرعة لا يعني فقط تحسين جودة الخدمات، بل يفتح آفاقاً جديدة للابتكار وريادة الأعمال والاندماج في الاقتصاد العالمي.

وهكذا يصبح الحديث عن مستقبل شبكات الجيل الرابع والجيل الخامس في مصر ليس مجرد قراءة لأرقام المشتركين أو حجم الاستثمارات، بل تأملاً في تحولات أعمق تمس طريقة تفاعل الإنسان مع المعرفة والتكنولوجيا، وتعيد صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع في عصر تتشكل فيه القوة الحقيقية عبر تدفق المعلومات وسرعة الوصول إليها

ومن ذاك المنطلق يشهد قطاع الاتصالات في مصر مرحلة تحول متسارعة مدفوعة بالتطور التكنولوجي العالمي والطلب المتزايد على خدمات الإنترنت عالية السرعة.

البنية التحتية للاتصالات

فمع تسارع التحول الرقمي في مختلف القطاعات الاقتصادية والخدمية، أصبح تطوير البنية التحتية للاتصالات أحد أهم أولويات الدولة والشركات العاملة في السوق؛ وتشير التوقعات إلى أن استخدام شبكات الجيل الرابع والجيل الخامس سيواصل النمو بشكل كبير خلال العقد المقبل، ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الخدمات الرقمية المتقدمة.

وتشير التقديرات إلى أنه بحلول نهاية عام 2026 قد يصل عدد مستخدمي شبكات الجيل الخامس في مصر إلى نحو 1.8 مليون مشترك، على أن يرتفع هذا الرقم بصورة كبيرة ليصل إلى 25.7 مليون مشترك بحلول عام 2035، وهو ما يعكس التوسع التدريجي في نشر هذه التكنولوجيا وتبنيها من قبل المستخدمين والمؤسسات.

نمو متواصل

فيما يُعد قطاع الاتصالات من القطاعات الاقتصادية الحيوية في مصر، إذ يلعب دوراً محورياً في دعم التحول الرقمي والتنمية الاقتصادية. وتشير التوقعات إلى أن إيرادات سوق الاتصالات المصري ستسجل معدل نمو سنوي مركب يبلغ نحو 3.65% خلال السنوات الخمس المقبلة.

ويأتي هذا النمو مدفوعاً بعدة عوامل رئيسية، أبرزها زيادة الطلب على خدمات الإنترنت عالية السرعة، وكذا توسع الشركات في الاستثمار في البنية التحتية الرقمية، بالإضافة إلى تطور الخدمات الرقمية مثل الحوسبة السحابية والخدمات المالية عبر الهاتف المحمول، والتوسع في استخدام التطبيقات الرقمية في التعليم والعمل والتجارة.

كما تعمل شركات الاتصالات الكبرى العاملة في السوق المصري على تعزيز الابتكار التكنولوجي عبر زيادة الاستثمارات في البحث والتطوير، بهدف تطوير الشبكات وتحسين جودة الخدمات وتقديم حلول رقمية جديدة.

الانتقال من الجيل الرابع للخامس

ورغم أن شبكات الجيل الرابع لا تزال تمثل العمود الفقري لخدمات الإنترنت المحمول في مصر، فإن البلاد بدأت بالفعل مرحلة الانتقال التدريجي نحو شبكات الجيل الخامس (5G) التي توفر سرعات أعلى بكثير وزمناً أقل للاستجابة، وهو ما يتيح تطبيقات متقدمة مثل المدن الذكية وإنترنت الأشياء والذكاء الاصطناعي.

وتعمل الحكومة المصرية برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي وبالتعاون مع شركات الاتصالات على وضع الأسس اللازمة لنشر هذه الشبكات على نطاق واسع، وتشمل هذه الجهود، تخصيص المزيد من الطيف الترددي لشركات الاتصالات، وكذا تطوير البنية التحتية للأبراج والشبكات.

تجارب شبكات الجيل الخامس

فيما قام الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات بتخصيص نطاقات ترددية إضافية، يمكن استخدامها لتطوير خدمات الجيل الرابع والجيل الخامس على حد سواء، ومن المتوقع أن تسهم هذه الخطوة في تحسين جودة الخدمة وزيادة سرعة الإنترنت.

العاصمة الجديدة

فيما تعد العاصمة الإدارية الجديدة واحدة من أهم المواقع التي تشهد تجارب تشغيلية لتكنولوجيا الجيل الخامس في مصر، حيث تعمل شركة فودافون مصر بالتعاون مع الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات على اختبار إمكانات هذه الشبكات في بيئة حضرية حديثة.

وتهدف هذه التجارب إلى تقييم كفاءة الشبكات الجديدة، واختبار التطبيقات الذكية مثل إنترنت الأشياء، وكذا دعم البنية التحتية للمدن الذكية، بالإضافة إلى تحسين جودة الاتصالات والخدمات الرقمية.

وتشير التوقعات إلى أن نجاح هذه التجارب سيشكل خطوة مهمة نحو التوسع في نشر شبكات الجيل الخامس في مختلف أنحاء البلاد خلال السنوات المقبلة.

توسع البنية التحتية للاتصالات

لا يمكن تحقيق التحول الرقمي دون بنية تحتية قوية لشبكات الاتصالات، ولهذا تعمل الحكومة المصرية بالتعاون مع القطاع الخاص على توسيع شبكة الأبراج ومحطات المحمول في مختلف المحافظات.

وفي ذلك الصدد وافق الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات على إنشاء 749 محطة جديدة للهاتف المحمول خلال الربع الثالث من عام 2022، وهي خطوة تهدف إلى تحسين جودة التغطية، وتقليل الازدحام على الشبكات، وكذا دعم خدمات الإنترنت المحمول، بالإضافة إلى تهيئة البنية التحتية لاستقبال تقنيات الجيل الخامس.

فيما يؤكد خبراء القطاع أن هذه الاستثمارات تمثل حجر الأساس لتطوير خدمات الاتصالات في المستقبل.

شبكة الجيل الرابع

في إطار تعزيز خدمات الإنترنت المحمول، حصلت الشركة المصرية للاتصالات على قرض متوسط الأجل بقيمة 167 مليون دولار من بنك الاستثمار الأوروبي بهدف تطوير شبكة الجيل الرابع، فيما سيتم استخدام هذا التمويل في نشر نحو 2000 موقع جديد للمحمول، وكذا تعزيز قدرة الشبكات الحالية، وإضافة طبقات سعة إضافية للأبراج القائمة، بالإضافة إلى تحسين تغطية الإنترنت في مختلف المناطق.

ومن المتوقع أن تسهم هذه الخطوات في تحسين جودة خدمات الإنترنت المحمول وزيادة سرعة الاتصال للمستخدمين.

جائحة كورونا

وكانت لعبت جائحة كوفيد-19 دوراً مهماً في تسريع التحول الرقمي في مصر والعالم، فقد أدت إجراءات الإغلاق والعمل عن بعد إلى زيادة الطلب على خدمات الإنترنت والنطاق العريض بشكل ملحوظ.

وخلال تلك الفترة تحول العديد من الموظفين إلى نظام العمل من المنزل، كما توسع التعليم عبر الإنترنت، وزادت خدمات التجارة الإلكترونية والخدمات الرقمية.

وقد دفع هذا الواقع شركات الاتصالات إلى توسيع خدمات النطاق العريض الثابت واللاسلكي لتلبية الطلب المتزايد على الاتصال بالإنترنت عالي السرعة.

تصاعد الطلب

إلى جانب خدمات الإنترنت المحمول، يشهد قطاع النطاق العريض الثابت نمواً ملحوظاً في مصر، خاصة مع توسع الدولة في نشر شبكات الألياف الضوئية في المدن والقرى.

ومن المتوقع أن يزداد انتشار خدمات الإنترنت الثابت خلال السنوات المقبلة نتيجة عدة عوامل، منها خطط الحكومة لتطوير البنية التحتية الرقمية، بالإضافة إلى توصيل الإنترنت إلى المناطق الريفية، والتحول من الكابلات النحاسية إلى شبكات الألياف الضوئية.

كما تعمل الحكومة على تعزيز المنافسة في السوق، حيث وقع الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات مذكرة تفاهم مع جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية لتشكيل لجنة مشتركة تهدف إلى تنظيم المنافسة الحرة في سوق الاتصالات.

بوابة مصر الرقمية

وضمن خطط تعزيز البنية التحتية الدولية للاتصالات، أعلنت الشركة المصرية للاتصالات عن مشروع المسار الدائري الأفريقي الهجين (HARP)، وهو نظام جديد للكابلات البحرية يهدف إلى ربط أفريقيا بأوروبا عبر مصر.

ومن المتوقع أن يربط المشروع نقاط هبوط في جنوب أفريقيا وأوروبا ومصر، وكذا يعزز مكانة مصر كمركز إقليمي لنقل البيانات، كما سيدعم حركة الإنترنت العالمية عبر الأراضي المصرية؛ ويمثل هذا المشروع جزءاً من استراتيجية مصر للتحول إلى مركز إقليمي للبيانات والاتصالات.

سرعة الإنترنت في مصر

ووفقاً لبيانات مؤشر Ookla Speedtest العالمي، احتلت مصر المرتبة 92 عالمياً في سرعة الإنترنت الثابت، بمتوسط سرعة تنزيل بلغ 43.31 ميغابت في الثانية في أحد التقارير الحديثة.

ورغم هذا الترتيب، تشير المؤشرات إلى تحسن مستمر في سرعات الإنترنت نتيجة، التوسع في الألياف الضوئية، تحديث البنية التحتية للشبكات، زيادة الاستثمارات في قطاع الاتصالات.

مستقبل قطاع الاتصالات

وفي النهاية يرى خبراء التكنولوجيا أن السنوات القادمة ستشهد تحولاً كبيراً في سوق الاتصالات المصري، خاصة مع انتشار تقنيات الجيل الخامس التي ستفتح المجال أمام خدمات جديدة مثل المدن الذكية، إنترنت الأشياء، السيارات المتصلة بالإنترنت، الجراحة عن بعد، التطبيقات الصناعية الذكية.

كما أن التوسع في خدمات النطاق العريض الثابت والمحمول سيؤدي إلى تحسين جودة الحياة الرقمية للمواطنين ودعم الاقتصاد الرقمي.

ومع استمرار الاستثمارات الحكومية والخاصة في البنية التحتية الرقمية، يبدو أن قطاع الاتصالات في مصر يتجه نحو مرحلة جديدة من النمو، تجعل من التكنولوجيا ركيزة أساسية في التنمية الاقتصادية والاجتماعية خلال العقد القادم.

تم نسخ الرابط