خلف الأمواج العاتية.. مشروع خفي يعيد رسم ملامح قلعة قايتباي
محافظة الإسكندرية، المدينة التي طالما وقفت على حافة البحر تحاور الأمواج وتستحضر التاريخ، تقدم اليوم نموذجًا جديدًا للعلاقة بين الإنسان والطبيعة والتراث.
ففي هذا المكان الذي تعانقت فيه الحضارات عبر القرون، لم تعد حماية الآثار مجرد إجراء هندسي لمقاومة قسوة البحر، بل تحولت إلى رؤية فلسفية تعيد تعريف كيفية الحفاظ على الذاكرة التاريخية وصياغتها في صورة تنبض بالحياة.

قلعة قايتباي
فعلى ضفاف البحر المتوسط، تقف قلعة قايتباي شامخة منذ قرون، شاهدة على تاريخ الإسكندرية البحري العريق.
غير أن هذا الصرح التاريخي كان خلال السنوات الماضية يواجه تحديًا خطيرًا تمثل في الأمواج البحرية العاتية والنوات الشتوية التي هددت أساساته، الأمر الذي دفع الدولة إلى إطلاق مشروع ضخم لحمايته. ومع تطور مراحل التنفيذ، لم يعد المشروع مجرد أعمال هندسية للحماية، بل تحول إلى مقصد سياحي جديد يضيف بُعدًا حضاريًا وجماليًا للمنطقة.
من مشروع هندسي لوجهة سياحية
في البداية، كان الهدف الأساسي من المشروع هو حماية القلعة التاريخية من تأثيرات التغيرات المناخية وارتفاع الأمواج، التي كانت تضرب المنطقة بقوة خلال مواسم النوات.
لكن مع تطور الدراسات الهندسية وتكامل الرؤية التخطيطية، تحولت أعمال التدعيم إلى مشروع متكامل يجمع بين الحماية البيئية والتنمية السياحية.
فيما جرى تنفيذ المشروع ضمن خطة الدولة للحفاظ على التراث التاريخي في المناطق الساحلية، حيث تم العمل على إنشاء ممشى سياحي بحري بطول نحو 550 مترًا يحيط بالقلعة، ليمنح الزائرين تجربة فريدة تتيح لهم السير فوق مياه البحر المتوسط والاستمتاع بالمشهد التاريخي للقلعة من زوايا مختلفة.
ويُعد هذا الممشى أحد أبرز عناصر المشروع، إذ صُمم ليكون رصيفًا سياحيًا مفتوحًا ومتنزهًا بحريًا يسمح للزوار بالتجول حول القلعة والاستمتاع بالمشهد البحري الخلاب، ليصبح بمثابة معرض مائي مفتوح يجمع بين الطبيعة والتاريخ.
مشروع حماية متكامل
فيما بلغت التكلفة الإجمالية لمشروع تطوير وحماية القلعة نحو 235 مليون جنيه في مراحله الأساسية، بينما أشارت بيانات الهيئة المصرية لحماية الشواطئ التابعة لـوزارة الموارد المائية والري إلى أن التكلفة الإجمالية للأعمال البحرية والإنشائية تجاوزت 267 مليون جنيه بعد استكمال كافة مراحل التنفيذ.
ويتضمن المشروع عددًا من العناصر الهندسية المتطورة، من بينها إنشاء حاجز أمواج بحري داخل البحر بعيدًا عن مواقع الآثار الغارقة، وكذا إقامة كوبري ممشى بحري يسمح للزائرين بالسير فوق سطح البحر.

بالإضافة إلى تنفيذ حواجز خرسانية لحماية القلعة من الأمواج المرتفعة، وكذا إنشاء حاجز أمواج في الجانبين الغربي والشمالي للقلعة لمنع وصول أمواج النوات إلى الصخرة الأم التي تقوم عليها القلعة.
وتسهم هذه الأعمال في تحقيق نسبة حماية تصل إلى 100% من تأثيرات الأمواج والنوات الشتوية، ما يضمن الحفاظ على القلعة التاريخية لعقود طويلة قادمة.
حماية الآثار الساحلية
ويمثل مشروع حماية القلعة نموذجًا متقدمًا في مجال الهندسة البحرية لحماية المواقع الأثرية، حيث تم تصميمه بعناية لضمان عدم التأثير على المواقع الأثرية الغارقة في المنطقة، والتي تعد جزءًا مهمًا من التراث البحري لمدينة الإسكندرية.
كما حرصت الجهات المنفذة على تنفيذ الحواجز البحرية بطريقة تسمح بالحفاظ على التوازن البيئي في المنطقة، مع تعزيز قدرة الشاطئ على مقاومة التآكل الناتج عن الأمواج القوية.
ويؤكد خبراء البيئة البحرية أن هذا المشروع يعد أول مشروع متكامل من نوعه في مصر يجمع بين حماية الآثار التاريخية وتنمية السياحة الساحلية في موقع واحد.
حماية الشواطئ المصرية
فيما لا يقتصر المشروع على حماية قلعة قايتباي فقط، بل يأتي ضمن خطة أوسع تنفذها الدولة لحماية الشواطئ المصرية من التآكل والاندثار، خاصة في المناطق التي تضم مواقع أثرية أو منشآت حيوية.
ومن بين المشروعات التي نفذتها الهيئة المصرية لحماية الشواطئ في الإسكندرية، مشروع حماية كورنيش المنشية من تأثير الأمواج، وكذا استكمال سلسلة الحواجز الغاطسة بمنطقة المحروسة شرق الإسكندرية.
بالإضافة إلى تنفيذ أعمال الحماية في منطقة المنتزه، وإنشاء حواجز بحرية أمام الكلية البحرية.
وقد ساهمت هذه المشروعات في تعزيز استقرار السواحل المصرية والحد من تأثير التغيرات المناخية التي أصبحت تهدد العديد من المدن الساحلية حول العالم.

معلم سياحي جديد ينتظر الزوار
فيما تتجه الأنظار إلى المنطقة المحيطة بقلعة قايتباي، التي يُتوقع أن تتحول إلى واحدة من أهم مناطق الجذب السياحي في الإسكندرية؛ فالزائر لن يشاهد القلعة فقط، بل سيعيش تجربة متكاملة تجمع بين التاريخ والبحر والهندسة الحديثة، حيث يمتد الممشى البحري حول القلعة ليتيح رؤية بانورامية فريدة للبحر المتوسط ولأحد أشهر المعالم التاريخية في مصر.
وبذلك يتحول المشروع من مجرد حاجز بحري للحماية إلى مزار سياحي عالمي ومعرض مائي مفتوح يعكس قدرة مصر على الجمع بين حماية تراثها التاريخي وتطويره ليواكب متطلبات السياحة الحديثة.
تحفة هندسية وسياحية
وفي النهاية يمثل مشروع تطوير وحماية قلعة قايتباي مثالًا واضحًا على كيفية تحويل التحديات البيئية إلى فرص تنموية.
فبينما كان الهدف الأساسي حماية القلعة من خطر الأمواج والنوات، نجحت الدولة في تحويل المشروع إلى تحفة هندسية وسياحية تضيف بعدًا جديدًا للمدينة الساحلية العريقة، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستثمار السياحي والثقافي في مدينة الإسكندرية.



