القبة الذهبية في غرينلاند.. أهداف جديدة لترامب حول الجزيرة
يطرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حجة جديدة لتبرير سعيه لضم جزيرة جرينلاند، تتمثل في القول إن الجزيرة ضرورية لإنشاء مشروع الدفاع الصاروخي الأمريكي الجديد المعروف بـ"القبة الذهبية"، فبحسب ترامب، فإن «كل ما نريده من الدنمارك هو تلك الأرض التي سنبني عليها أعظم قبة دفاعية على الإطلاق لحماية الأمن القومي والدولي».
بناء نظام دفاعي محكم
لكن الواقع، كما تشير الأدلة العلمية والعسكرية، يناقض هذه الطموحات، إذ يرى خبراء الدفاع أن بناء نظام دفاعي محكم قادر على التصدي لهجوم صاروخي باليستي عابر للقارات، يتضمن عشرات أو مئات الرؤوس الحربية التي تسير بسرعة تتجاوز 15 ألف ميل في الساعة، ومصحوبة بشراك خداعية يصعب التمييز بينها وبين الرؤوس الحقيقية، أمرٌ شبه مستحيل من الناحية التقنية والفيزيائية.
منذ إطلاق رونالد ريجان مبادرة "حرب النجوم" عام 1983، لم ينجح البنتاجون في إجراء اختبار واحد يحاكي مثل هذا السيناريو الواقعي، فضلاً عن بناء نظام قادر على التعامل معه، وتؤكد الخبيرة لورا جريغو من "اتحاد العلماء المعنيين" أن «درع ترامب الفضائي ليس سوى سراب لامع، يخلو من أي قيمة فعلية».
ورغم محاولات الإدارة الأمريكية الإيحاء بأن وجود رادارات أو صواريخ اعتراضية في غرينلاند سيعزز فعالية القبة الذهبية، إلا أنها لم تقدّم أي تفسير مقنع يربط بين الموقع الجغرافي للجزيرة وبين قدرة المنظومة على العمل بالشكل المعلن.
تسليح الفضاء.. الخطر الأكبر
ولا يقتصر الجدل على التكلفة أو الفعالية، بل يمتد إلى المخاطر الحقيقية التي قد يؤدي إليها المشروع، فخطة نشر صواريخ اعتراضية في الفضاء قد تدفع قوى دولية كالصين وروسيا إلى تسليح الفضاء بدورها، وهو ما يشكل تهديداً بالغ الخطورة للأقمار الصناعية المدنية والعسكرية حول العالم.

في الوقت ذاته، يشير تقرير لمكتب محاسبة الحكومة الأمريكية إلى أن نظام تتبع الأقمار الصناعية الذي سيُعد جزءًا من القبة الذهبية يعاني من "مبالغة واضحة" في تقدير جاهزيته التقنية.
كما أن هذا التوجه يأتي في لحظة حساسة قد تشهد نهاية معاهدة "ستارت الجديدة"، وهي آخر اتفاقية كبرى تضبط سباق التسلح النووي بين واشنطن وموسكو، ما يهدد بتسارع سباق تسلح قد يعيد العالم إلى أجواء الحرب الباردة.
تكلفة فلكية.. ونتائج معدومة
على صعيد التكلفة، تبدو الأرقام صادمة. فالولايات المتحدة تستعد لإنفاق نحو تريليون دولار خلال العقد المقبل لتحديث ترسانتها النووية وحدها، بينما قد تكلف القبة الذهبية بين 292 مليار دولار و3.6 تريليون دولار، وفق تقديرات معهد المشاريع الأمريكية.
وقد خصص الكونجرس بالفعل 24.4 مليار دولار للمشروع، بينها 5.6 مليارات للصواريخ الاعتراضية الفضائية، فيما انخرطت أكثر من 1000 شركة دفاعية في مناقصات إنتاج مكونات المنظومة، ومنها شركات كبرى مثل "لوكهيد مارتن" وRTX.
تشبيه قاسٍ.. لكنه دقيق
يرى محللون أن النقاش حول إدراج جرينلاند ضمن مشروع القبة الذهبية لا يغير من حقيقة فشل النظام من حيث المبدأ، ويصفون الأمر بأنه «إعادة ترتيب كراسي سطح السفينة على متن التيتانيك»، في إشارة إلى أن المشروع محكوم عليه بالفشل بغض النظر عن موقعه.
فالخاسر الأكبر هو دافع الضرائب الأمريكي، بينما الفائز المؤكد، كما في أغلب مشروعات التسلح الضخمة، هو شركات الصناعات الدفاعية.
لا تحتاج القبة الذهبية إلى جرينلاند، بل إن النقاش حول الجزيرة يخفي مشكلات أعمق: مشروع مكلف، غير قابل للتنفيذ تقنياً، يهدد الأمن العالمي بدلاً من تعزيز استقرار النظام الدولي، ورغم ذلك، تواصل إدارة ترامب الدفع به باعتباره مشروعًا تاريخيًا، بينما يرى الخبراء أنه مجرد وهم مغلف ببريق «الحماية المطلقة» التي لا يمكن تحقيقها.



