رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

بين الردع والتفاوض.. كيف تدير واشنطن التصعيد مع إيران دون مواجهة مفتوحة؟

الصراع الامريكي الايراني
الصراع الامريكي الايراني

دخلت العلاقات الأمريكية–الإيرانية مرحلة شديدة الحساسية، تتقدّم فيها أدوات الضغط السياسي والعسكري على أي مسار دبلوماسي معلن، من دون أن تصل إلى مستوى القرار التنفيذي الحاسم. هذا الثبات المدروس في سقف التصعيد بات بحد ذاته رسالة سياسية، تعكس توجّه واشنطن نحو إدارة أزمة طويلة الأمد مع طهران، تقوم على مراكمة الضغط وضبط الإيقاع، لا على الحسم أو التسوية الشاملة.

تصعيد بلا قرار

خلال الأسابيع الأخيرة، تصاعد الخطاب الأمريكي بشأن إيران، خصوصًا من البيت الأبيض، حيث تكررت الإشارات إلى «التفاوض» مقرونة بلهجة تحذيرية وضغط زمني، من دون طرح أي مبادرة سياسية واضحة أو عرض تفاوضي رسمي. هذا التناقض الظاهري بين الدعوة إلى التفاوض والاستمرار في التصعيد العسكري يعكس، وفق تقديرات دبلوماسية، توجّهًا أمريكيًا مدروسًا يهدف إلى إبقاء كل الخيارات مفتوحة، من دون الالتزام بأي مسار نهائي.

مصادر دبلوماسية أمريكية تشير إلى أن التحركات العسكرية الجارية، بما في ذلك إرسال العتاد وتعزيز الانتشار، تخضع لإدارة مباشرة من البيت الأبيض، وتُدرج ضمن إطار تفاوضي عملي يجري بناؤه بصمت، بعيدًا عن الأضواء والمسارات الدبلوماسية التقليدية.

تثبيت ميزان الضغط

تقدير الإدارة الأمريكية الحالي يقوم على أن مستوى الحشد العسكري القائم يحقق الغاية المطلوبة في هذه المرحلة. فانتشار القوات، والجاهزية الجوية، وتسريب تفاصيل تتعلق بالقدرات البحرية، جميعها عناصر تُستخدم لتثبيت ميزان ضغط واضح، من دون دفع المشهد نحو تصعيد يصعب التحكم بنتائجه.

وترى واشنطن أن أي تعديل في هذا السقف يحتاج إلى معطيات جديدة، سواء من حيث السلوك الإيراني أو تطورات البيئة الإقليمية. فالكلفة السياسية والعسكرية لأي خطوة إضافية تخضع لحسابات دقيقة، تشمل ردود فعل طهران، وتفاعل الحلفاء، واحتمالات توسع دائرة الاحتكاك في أكثر من ساحة.

حضور عسكري عالي السقف

ميدانيًا، اكتمل عمليًا انتشار القوة البحرية الأمريكية في شرق المتوسط وبحر العرب، مع وصول مجموعة حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» ومرافقتها من مدمرات مجهّزة بصواريخ بعيدة المدى، بالتوازي مع تدريبات جوية أعلنت عنها القيادة الوسطى الأمريكية، ووصفتها بأنها متعددة الأيام وتهدف إلى إظهار الجاهزية العملياتية.

هذا الانتشار يعكس تثبيت مستوى عالٍ من الحضور العسكري، يمنح واشنطن القدرة على إبقاء الخيارات التقنية متاحة، من دون ترجمتها سياسيًا أو عملياتيًا في الوقت الراهن، في ما يشبه «الردع الصامت» القابل للاستمرار.

تموضع قابل للاستدامة

وفق مصادر مطلعة، جاء هذا التموضع العسكري بعد مراجعة داخلية لمسار التصعيد، وصُمّم ليكون قابلًا للاستمرار زمنيًا، من دون الحاجة إلى قرارات إضافية أو تصعيد متدرّج. الرسالة الأساسية موجّهة إلى طهران وأذرعها الإقليمية، وتتمحور حول قدرة الولايات المتحدة على إدارة المشهد من موقع السيطرة، مع الإبقاء على هامش سياسي مفتوح للمناورة.

ويترافق ذلك مع تصعيد لفظي مباشر من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي تحدث عن «نفاد الوقت» أمام إيران، وربط تفادي المواجهة بقبول طهران الجلوس إلى طاولة التفاوض. ورغم غياب أي عرض محدد، فإن هذا الخطاب عكس انتقالًا من التحذير العام إلى الضغط الزمني المباشر.

تفاوض جزئي لا اتفاق شامل

داخل الإدارة الأمريكية، لا يُنظر إلى التفاوض المرتقب بوصفه مسارًا يقود إلى اتفاق شامل. بل تتركز التصورات حول تفاهمات عملية محددة، ذات طابع تقني وأمني. الأولوية، بحسب هذه الرؤية، تتجه نحو الملف الإقليمي، ولا سيما ضبط الأنشطة التي تعتبرها واشنطن مصدرًا مباشرًا للتوتر، سواء في مناطق الملاحة أو نقاط الاحتكاك مع القوات الأمريكية.

أما في الملف النووي، فتسعى واشنطن إلى تثبيت الوضع القائم ومنع انتقاله إلى مستويات أكثر حساسية، عبر خطوات متبادلة محدودة، قابلة للقياس، وتُدار خارج إطار الاتفاقات المعلنة أو الصفقات الكبرى.

قنوات خلفية وضبط الإيقاع

في موازاة ذلك، تشير التقديرات إلى وجود قنوات غير معلنة لتبادل الرسائل بين الجانبين، تُدار على مستويات تقنية وأمنية، وتسمح بمرونة أكبر في إدارة الملفات الحساسة. ووفق التصور الأمريكي، يؤدي التصعيد العسكري وظيفة تنظيمية داخل هذا الإطار، إذ يفرض ترتيبًا واضحًا للأولويات، ويمنح واشنطن قدرة أكبر على تحديد جدول الأعمال قبل أي نقاش سياسي أوسع.

في المقابل، تراقب واشنطن التحركات الإيرانية بدقة، وترى أن طهران تعتمد سياسة «ضبط الإيقاع»، مع الحفاظ على أدوات الردع القائمة، في محاولة لإدارة الوقت وتفادي خطوات قد تدفع المشهد نحو مواجهة مفتوحة.

إدارة صراع طويل الأمد

تحليليًا، يرى باحثون في شؤون إيران أن السياسة الأمريكية الحالية تعكس انتقالًا إلى نمط إدارة صراع طويل الأمد، يقوم على تعديل هوامش حركة إيران عبر ضغط متواصل، من دون تفجير الأزمة. فواشنطن، وفق هذا التقدير، لا تسعى حاليًا إلى إعادة إدماج طهران في نظام تفاهمات واسع، بقدر ما تهدف إلى تقييد خياراتها الإقليمية.

ويُستخدم التفاوض، في هذا السياق، كأداة لتنظيم السلوك لا كمدخل لحل شامل، فيما تُوظّف القوة العسكرية كوسيلة لفرض سقوف واضحة ومنع الانفلات.

ضغط بلا مخرج واضح

في المقابل، يحذّر باحثون آخرون من أن واشنطن وصلت إلى مرحلة بات فيها استخدام الضغط أسهل من تحويله إلى سياسة قابلة للإقفال. فالحشد العسكري والخطاب المرتفع لا يعكسان بالضرورة مسارًا متكاملًا، بقدر ما يكشفان عن غياب تصور نهائي لشكل العلاقة مع إيران.

ويذهب هذا الرأي إلى أن الحديث المتكرر عن «التفاوض» يؤدي وظيفة تأجيل القرار أكثر مما يفتح مسارًا حقيقيًا، إذ يُستخدم كأفق مفتوح يمنع انسداد المشهد، ويؤجل لحظة الاختيار بين خيارات محفوفة بالمخاطر.

في المحصلة، تقوم سياسة «الضغط المستدام» على إبقاء الأزمة ضمن حدود يمكن التحكم بها، من دون السعي إلى حل سريع أو مواجهة شاملة. غير أن هذا النمط من الإدارة يحمل في طياته مخاطر كامنة، إذ كلما طال أمد التحكم بالأزمة من دون تحويل الضغط إلى مسار سياسي واضح، ازدادت احتمالات فقدان السيطرة على التفاصيل الصغيرة، التي غالبًا ما تتحول إلى شرارات اشتعال في صراعات الشرق الأوسط المعقّدة.

تم نسخ الرابط