حين تتكلم الأرقام.. مشروع يعيد صياغة الحياة في البحيرة؟
محافظة البحيرة، بما تحمله من تاريخ زراعي عريق وامتداد طبيعي بين الماء والأرض، تظل شاهدًا حيًا على العلاقة الأزلية بين الإنسان ومصادر رزقه، حيث لم تكن التنمية يومًا فعلًا عابرًا، بل فلسفة متكاملة تقوم على الفهم العميق للطبيعة وحسن إدارتها.

الأمن الغذائي
ففي قلب هذه المحافظة، تتجسد فكرة أن الأمن الغذائي ليس مجرد أرقام وإنتاج، بل منظومة وعي تبدأ من احترام الموارد، وتعظيم قيم العمل، والإيمان بأن الاستدامة هي الطريق الوحيد لبناء المستقبل؛ ومن هنا تبرز مزرعة برسيق السمكية كنموذج يعكس هذا التوازن الدقيق بين العلم والإرادة، بين التخطيط والرؤية، لتؤكد أن التنمية الحقيقية تولد حين تتحول المياه إلى حياة، والعمل إلى قيمة، والمشروعات إلى رسالة وطنية تخدم الإنسان قبل أن تخدم الاقتصاد.
بدأت القصة في قلب البحيرة، حينما تشكلت ملامح مشروع إنتاجي يتجاوز فكرة الاستزراع التقليدي، ليصبح نموذجًا تطبيقيًا لرؤية أشمل تستهدف تحقيق الأمن الغذائي، وتعظيم القيمة الاقتصادية للموارد، وبناء منظومة مستدامة قوامها العلم والإدارة والرقابة.

مشروع يتحدث بلغة التخطيط
حيث تقوم مزرعة برسيق السمكية على فلسفة تشغيل واضحة، قوامها أن الإنتاج الجيد لا يبدأ من لحظة الصيد، بل من إدارة دقيقة لكل تفصيلة داخل المنظومة؛ من جودة المياه، ونظم التغذية، والرعاية البيئية، وصولًا إلى التدريب المستمر للعاملين؛ وهو ما جعل المزرعة واحدة من أبرز النماذج التابعة لجهاز حماية وتنمية البحيرات والثروة السمكية.
فالأحواض السمكية لا تُدار بمنطق الكثرة، بل بمنهج علمي يوازن بين معدلات التحميل والإنتاج الآمن، وهو ما انعكس بوضوح على نتائج موسم الصيد الأخير، حيث بلغ إنتاج أحد الأحواض التي لا تتجاوز مساحتها 8 أفدنة نحو 32 طنًا من الأسماك المتنوعة، في مؤشر عملي على كفاءة التشغيل وحسن استغلال الموارد.

قراءة في واقع المشروع
جاءت زيارة اللواء أ.ح/ الحسين فرحات، المدير التنفيذي لجهاز حماية وتنمية البحيرات والثروة السمكية، كمحطة تقييم شاملة للمشروع، لكنها في جوهرها لم تكن زيارة بروتوكولية، بل قراءة ميدانية متعمقة في تفاصيل مزرعة تُعد ركيزة أساسية في خطة الجهاز لتطوير المزارع السمكية.
فالمرور على الأحواض، ومتابعة أعمال الصيد، والتفاعل المباشر مع العاملين، كشف عن فلسفة إدارة تعتمد على النزول إلى أرض الواقع، باعتباره المصدر الحقيقي لفهم التحديات وصناعة القرار. وقد أكد المدير التنفيذي خلال الزيارة أن العنصر البشري يمثل حجر الأساس في نجاح المشروع، وأن الاستثمار في الإنسان لا يقل أهمية عن الاستثمار في البنية التحتية.

جودة ما قبل الكمية
في قلب المشروع، يبرز المعمل المركزي لجودة المياه الذي تم افتتاحه داخل مزرعة برسيق، باعتباره أحد أهم أدوات السيطرة العلمية على العملية الإنتاجية. فالمعمل لا يراقب فقط المؤشرات الكيميائية والبيولوجية للأحواض، بل يمثل عقلًا تحليليًا يتدخل قبل وقوع الأزمات، ويحول دون خسائر كان من الممكن أن تُهدر جهد موسم كامل.
وتتجاوز أهمية المعمل حدود المزرعة، ليخدم المزارع الأهلية المحيطة داخل نطاق محافظة البحيرة، في تجسيد عملي لدور الدولة الإرشادي، وتحويل المزارع الحكومية إلى مراكز دعم فني ومعرفي، لا مجرد وحدات إنتاج.

من الحضانة إلى السوق
تضم مزرعة برسيق حضانات سمكية تمثل نقطة البداية الحقيقية لدورة الإنتاج، حيث تُدار وفق معايير فنية دقيقة تضمن توفير زريعة سليمة وعالية الجودة. ومع الانتقال إلى مراحل التربية والصيد، تظهر صالة الفرز والتجميع كحلقة محورية تضمن الحفاظ على جودة المنتج، وصولًا إلى منفذ البيع الذي يمثل الواجهة المباشرة للمشروع أمام المواطن.
وخلال الزيارة، تم التأكيد على ضرورة تطوير منفذ البيع ليعكس الهوية المؤسسية للجهاز، ويجسد مفهوم العدالة السعرية وجودة المنتج، بما يعزز ثقة المواطن في المنتج الحكومي.

البنية الداعمة معدات وأعلاف
ولا يكتمل أي مشروع إنتاجي دون بنية داعمة قوية، وهو ما بدا واضحًا في تفقد إدارة المعدات، حيث تم التأكيد على إعادة تشغيل المعدات المتوقفة لتعظيم الاستفادة من الإمكانيات المتاحة. كما شكّل مصنع أعلاف برسيق محورًا مهمًا في رؤية التطوير، باعتباره أداة استراتيجية لخفض تكاليف الإنتاج وضبط جودة الأعلاف، مع توجيهات واضحة بسرعة إعادة تشغيله بعد حصر احتياجاته الفنية.
رؤية مستدامة
أكد الدكتور محمد إبراهيم نوفل، مدير عام الإدارة العامة للمزارع بالجهاز، أن ما تحقق في برسيق هو نتاج تخطيط علمي وإدارة رشيدة، فيما أشار المهندس شعبان أبو السعيد، مدير المزرعة، إلى أن الاستعداد لموسم الصيد جاء نتيجة متابعة دقيقة وبرامج تغذية ورعاية مدروسة.

وفي ختام الزيارة، شدد اللواء أ.ح/ الحسين فرحات على أن تطوير مزرعة برسيق ليس هدفًا بذاته، بل جزء من استراتيجية أشمل لتحديث المزارع السمكية التابعة للجهاز، ورفع كفاءتها الإنتاجية، وتحقيق الاستدامة.
برسيق أكثر من مزرعة
هكذا تتجاوز مزرعة برسيق السمكية كونها مشروعًا إنتاجيًا، لتصبح نموذجًا عمليًا لفلسفة دولة ترى في الماء ثروة، وفي العلم ضمانة، وفي الإنسان شريكًا في التنمية؛ ومع كل موسم صيد، تؤكد برسيق أن الأمن الغذائي لا يُصنع بالقرارات وحدها، بل بالعمل الميداني، والإدارة الواعية، والمشروعات التي تنبض بالحياة.

وفي النهاية فمزرعة برسيق السمكية ليست مجرد مساحة مائية مخصصة للإنتاج، بل هي كيان حيّ يعكس كيف تفكر الدولة في مواردها الطبيعية، وكيف تُدار العلاقة بين الإنسان والماء والغذاء.



