رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

المنيا تستعد لمرحلة جديدة.. حكاية مجمع الصناعات بالمطاهرة القبلية

مجمع الصناعات بالمطاهرة
مجمع الصناعات بالمطاهرة القبلية في المنيا

محافظة المنيا، تلك التي عرفت عبر التاريخ كيف تقف على تخوم التحول، لا تدخل التنمية كحدثٍ عابر، بل كفكرة تتشكل ببطء ووعي؛ ففي هذه البقعة من صعيد مصر، لا تُقاس المشروعات بحجم الخرسانة أو الأرقام المجردة، بل بما تُحدثه من تغيير في علاقة الإنسان بالمكان، وفي قدرة الأرض على أن تمنح أبناءها سببًا للبقاء والعمل والأمل.

وبين نهرٍ يمر شاهدًا، وأرضٍ تنتظر دورها، تولد الحكايات الكبرى حين تلتقي الإرادة بالتخطيط، ويصبح الاستثمار في الإنسان هو المعنى الحقيقي للتنمية.

آلات تستعد للعمل

بدات القصة في شرق النيل، حيث تمتد الأرض صامتة لسنوات طويلة، قررت المنيا أخيرًا أن تتكلم. لم يكن صوتها صخبًا، بل هديرًا منتظمًا لآلات تستعد للعمل، وأحلامًا صغيرة تجد لنفسها مكانًا بين جدران من خرسانة وحديد. هناك، في المطاهرة القبلية، لم يعد الفراغ سيد المشهد، بل صار مشروعًا، وخطة، ومستقبلًا يُصاغ بوعي الدولة وإصرار أهل المكان.

لم يولد مجمع الصناعات بالمطاهرة القبلية فجأة، بل جاء نتيجة رؤية ممتدة، ترى في الصعيد طاقةً معطلة لا أرضًا منسية، وفي الشباب قوة إنتاج لا عبئًا اجتماعيًا.

كان هذا المجمع أحد المشروعات التي حملت توقيع الإرادة السياسية العليا، حين افتتحه الرئيس عبد الفتاح السيسي ضمن سلسلة افتتاحات رئاسية أعادت رسم ملامح التنمية في جنوب البلاد، مؤكدة أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من حيث الحاجة، لا من حيث الرفاهية.

ثمانية وستون وحدة صناعية

فعلى مساحة تسعة عشر فدانًا، تشكلت ملامح المجمع كمدينة صناعية مصغرة؛ بقدرة ثمانية وستون وحدة صناعية اصطفت في هدوء هندسي مدروس، لا تُشبه العشوائية التي لاحقت الصناعة طويلًا، بل تعكس تخطيطًا يعرف جيدًا ماذا يريد.

وحدات صغيرة بمساحة 432 مترًا مربعًا، خُلقت لتحتضن البدايات الأولى، وأخرى أكبر تمتد من 790 إلى 800 متر مربع، تستعد لاستقبال طموحات أكثر اتساعًا. وبين هذه المساحات، تسكن فكرة واحدة: أن يكبر المشروع دون أن يغادر أرضه.

فلم تكن الـ284 مليون جنيه التي أنفقتها الدولة على إنشاء المجمع مجرد أرقام في موازنة عامة، بل كانت ترجمة مادية لفلسفة جديدة، ترى في الصناعة الصغيرة والمتوسطة قاطرة حقيقية للتنمية، وفي توفير البنية التحتية المتكاملة شرطًا أساسيًا لنجاح أي استثمار.

كهرباء مستقرة، ومياه، وصرف صحي، وطرق داخلية ممهدة، وخدمات لوجستية صامتة تؤدي دورها دون ضجيج، لتترك للصناعة أن تتكلم وحدها.

أيادي تعمل وأسر تستقر

في المطاهرة، لا تُقاس قيمة المجمع بعدد وحداته فقط، بل بعدد الأيدي التي ستعمل، والأسر التي ستستقر، والقرى التي ستتنفس اقتصادًا جديدًا.

فكل وحدة صناعية هنا تحمل احتمال وظيفة، وكل وظيفة تحمل وعدًا بالبقاء، بدل الهجرة، وبالإنتاج بدل الانتظار. وهكذا يتحول المصنع من مبنى إلى قصة حياة.

فيما يكتسب المجمع بعدًا أعمق حين يوضع في سياقه الأشمل. فمحافظة المنيا تعيش واحدة من أوسع عمليات التحول التنموي في تاريخها، عبر مبادرة «حياة كريمة» التي لا تعيد فقط بناء القرى، بل تعيد تعريف معنى العيش فيها. خمسة مراكز، ومئات القرى والتوابع، وثلاثة ملايين مواطن، و23 مليار جنيه، كلها أرقام تُخبرك أن ما يحدث ليس مشروعًا منفصلًا، بل شبكة متكاملة من التنمية، حيث تسند الصناعة الخدمات، وتمنح الخدمات للصناعة فرصة الاستمرار.

في هذا المشهد، يصبح مجمع الصناعات بالمطاهرة حلقة وصل بين القرية والمصنع، بين البيت وسوق العمل، بين الحلم الفردي والرؤية الوطنية.

فهو مكان يتعلم فيه الشباب أن الفرصة لم تعد بعيدة، وأن الإنتاج لم يعد حكرًا على المدن الكبرى، وأن الصعيد قادر على أن يصنع، لا أن يستهلك فقط.

 تُنتج لتُغير المصير

وفي النهاية ومع كل باب يُفتح داخل المجمع، تُغلق صفحة قديمة من التهميش، وتُكتب أخرى جديدة من العمل؛ هنا، لا تُرفع شعارات كبرى، ولا تُطلق وعود زائفة، بل تُترك الأرض لتفعل ما تعرفه جيدًا حين تُمنح الأدوات: أن تُنتج، وأن تُغير المصير ببطء ولكن بثبات.

هكذا، لا يبدو مجمع الصناعات بالمطاهرة القبلية مجرد مشروع صناعي، بل علامة فارقة في سردية الصعيد الجديدة، حيث تتحول التنمية من خطاب إلى واقع، ومن فكرة إلى حياة تُصنع كل صباح.

تم نسخ الرابط