حكايات غير مُعلنة من كواليس الحدثين الأهم في التاريخ الحديث
مازن المتجول يفتح صندوق أسرار المومياوات والمتحف الكبير
- موكب المومياوات وافتتاح المتحف الكبير
- بلاتوه بطول 25 كم و5 آلاف مشارك
- زفة الجماهير أمام المتحف أربكت البروفات قبل لحظة الصفر
- سيمفونية الدرونز.. وسر السيطرة على 5 آلاف طائرة في سماء الأهرامات
- كواليس التصوير في خمس قارات وتحديات غير مسبوقة
- سباق مع الزمن.. 20 دقيقة في روما لتصوير 14 مسلة
- تصوير تاريخ مصر في ربع ساعة عند الشروق والغروب
- أغلقنا كوبري بفرنسا 13 ساعة
- وصورنا في اليابان بمعبد لأول مرة يصور به
- كيف صُنعت صورة عالمية موحدة بإضاءة الفجر والغروب؟
- البرازيل الأصعب ..أقسى مواقع التصوير وأكبر عدد كاميرات في زمن قياسي
- متى شعر المتجول أن المهمة تمت بسلام؟
إنها "لحظة الصفر" التي انتظرتها مصر لسنوات، ملايين العيون حول العالم شاخصة أمام شاشات التلفزيون، وكبار قادة العالم جلوس في حضرة التاريخ، حيث لا مجال للخطأ في لحظة فارقة بطلها الأوحد الصورة.
الجميع ينتظر ما ستقدمه مصر للإنسانية، حيث علت التوقعات بعد الاحتفال المهيب بموكب نقل المومياوات الملكية، هنا خرج القائد الميداني لهذه الملحمة البصرية، حاملاً على عاتقه مسؤولية تقديم صورة تليق بعظمة الأجداد وطموح الأحفاد.
نتحدث عن المخرج ومدير التصوير مازن المتجول، العازف على ألحان الحضارة حيث اختاره القدر ليكن شاهدًا على التاريخ وجزءا منه بإخراجه وتصويره الحدثين الأهم في التاريخ المعاصر، وهما موكب نقل المومياوات الملكية، وافتتاح المتحف المصري الكبير.

وفي هذا الحوار يكشف "المتجول" كواليس تكريمه من المعهد العالي للسينما، ويشارك ذكرياته مع واثنتين من أعقد التجارب الإخراجية في تاريخ الفعاليات العالمية، وصراع الثواني تحت مسلات روما، وسحر الـ 5000 درون في سماء القاهرة، ولماذا كانت كلمة السر في الافتتاح العالمي "انظر إلى السماء؟"
وكيف صاغ بعدسته حكاية افتتاح الصرح الأسطوري؟ بحضور زعماء العالم.. وأكثر لحظة موترة عاشها في الحفل.
وإلى نص الحوار:
على هامش تكريمه مؤخرًا من المعهد العالي للسينما، في الملتقى الثاني لطلبة وخريجي قسم التصوير، عبّر مدير التصوير والمخرج مازن المتجول، عن سعادته البالغة بهذا التقدير، مستعيدًا رحلة طويلة من الإبداع، ليؤكد أن ما وصل إليه اليوم هو ثمرة سنوات من التعلم والدعم داخل أروقة المعهد.

"المعهد العالي للسينما.. البداية الحقيقية"
وعن تكريمه داخل المعهد العالي للسينما، لا يُخفي المتجول سعادته الكبيرة، معتبرًا أن كل ما وصل إليه اليوم يعود بالأساس إلى هذه المؤسسة.
فالمعهد، كما يقول، لم يكن مجرد مكان للدراسة، بل بيتًا حقيقيًا تعلّم فيه على أيدي أساتذة تعلم من كل واحد منهم، وترك كل منهم أثرًا مختلفًا في تكوينه الفني، معتبرًا تخرّجه في المعهد العالي للسينما شرفًا كبيرًا في مسيرته المهنية.
كما وجّه المتجول تحية خاصة لمديري التصوير الذين عمل وتدرّب معهم في بداياته، وكان لهم دور أساسي في تشكيل خبرته قبل أن يخوض تجربة العمل كمدير تصوير محترف.
وعن مشاركته في احتفالي نقل المومياوات الملكية وافتتاح المتحف المصري الكبير، شدّد المتجول على أن النجاح لم يكن مجهودًا فرديًا، بل ثمرة عمل جماعي ضخم حيث كان مسؤولًا عن بعض الفقرات بينما البعض الآخر كان من مسئولية زميله مدير التصوير والمخرج أحمد المرسي.
وقال إنه كان جزءًا صغيرًا من منظومة كبيرة، ضمّت فريقًا واسعًا عمل بتناغم شديد، تحت قيادة الشركة المتحدة، وبإشراف المنتج محمد السعدي.

وأوضح أن التحدي الأكبر تمثّل في توحيد الرؤية البصرية بين جميع فرق التصوير، بحيث يظهر الحدث في النهاية كعمل واحد متكامل، رغم تعدد الزوايا والمشاركين، حتى يخرج الحدث بشكل موحّد ومتماسك، يليق بحجم وقيمة المناسبة التاريخية.
موكب المومياوات vs افتتاح المتحف الكبير .. صراع العمالقة
كمخرج شارك في الحدثين الأضخم يرى "المتجول" أن الفرق الجوهري بين موكب المومياوات وافتتاح المتحف المصري الكبير، أن موكب المومياوات كان "مشهدًا سينمائيًا ممتدًا" لموكب جنائزي، بطول 25 كيلومترًا، حيث كان الشارع هو البلاتوه الخاص بنا، وكان معنا خمسة آلاف شخص بين راقص وعارض، فكان الموضوع صعب جدًا.

وأكشف لكِ سراً، لا يعرفه أكثر الناس أن احتفال موكب نقل المومياوات كان جزءًا كبيرًا منه مسجلًا.. آه كانت بعض المشاهد على الهواء مباشرة، ولكن دمجنا بين التسجيل والبث المباشر لضبط الزوايا والنقلات بين المناظر المختلفة.

والجودة الفائقة التي ظهرت في الموكب كانت بسبب أن أجزاء منه صُوِّرت مسبقًا، فعرضت مُسجلة، وهو ما سمح لنا بالوصول لتلك الدقة السينمائية.
أما افتتاح المتحف المصري الكبير، فكان حفلاً عالميًا قائمًا على العرض البصري والتقني المركز، وكان على الهواء وهو يختلف عن طبيعة العمل السينمائي المعتاد، حيث لا مجال للإعادة.

ارتفاع سقف التوقعات بعد موكب المومياوات سبب التوتر
وعن الضغط النفسي المصاحب لحدث عالمي يضم زعماء وملوك العالم، يعترف المتجول بأن التوتر كان حاضرًا بقوة، لا سيما مع ارتفاع سقف توقعات الجمهور بعد موكب المومياوات الملكية.
ويتابع، "وغير طبعًا الحضور والسادة الضيوف من الرؤساء والملوك المتواجدين من كل أنحاء العالم.. إحنا كان هدفنا إن الشعب يتبسط، والناس تنبسط".
احتفالات الجماهير أمام المتحف قبل الافتتاح كان بيوترنا وقت البروفة
ويؤكد أن الرهان الحقيقي كان على تقديم صورة مختلفة لمصر، تتجاوز فكرة "حفلة ودرونز"، لتصل إلى حدث يحمل بعدًا ثقافيًا ومعنويًا.
ويوضح المخرج، " الموضوع كان مؤثر جدًا وأثناء التحضيرات والبروفات.. الناس كانت بتتجمع قدام المتحف وتحتفل بكلاكسات السيارات وتعمل زفة وده كان بيوترنا أكثر".
سيمفونية الدرونز.. وكواليس السيطرة على 5 آلاف طائرة
ويتحدث المتجول بحماس عن كواليس ظهور الرموز المصرية القديمة في السماء، مثل قناع توت عنخ آمون وكرسي العرش، وهي لقطات لم تستغرق سوى ثوانٍ معدودة على الشاشة، لكنها سبقتها تحضيرات طويلة ومعقّدة.

وأوضح المتجول، أن الهدف لم يكن تقديم عرض بصري فقط، بل صناعة تجربة معرفية متكاملة، مشيرًا إلى أن فريق العمل كان حريصًا على أن تحمل كل فقرة مضمونًا ثقافيًا ومعلومة حقيقية تدفع المشاهد للبحث والتأمل، قائلاً: "إحنا ماكنّاش عايزين نعمل عرض لمجرد العرض، كان هدفنا إن كل فقرة يبقى فيها معلومة تخلي الناس تدور أكتر في تاريخها وتفهم المتحف معمول ليه وإزاي".
وأضاف أن فقرة قناع توت عنخ آمون تم اختيارها بعناية لإبراز قيمة القطعة النادرة الموجودة داخل المتحف، وخلق حالة من التشويق لدى الجمهور تدفعه لزيارتها ورؤيتها على أرض الواقع، مؤكدًا أن عملية اختيار الرموز لم تكن سهلة، بل استغرقت وقتًا طويلًا من التفكير والتخطيط والتجريب.

وعن نجاحه في تقديم رسالة ثقافية باستخدام أكثر من 5000 درون، وكيفية سيطرته على هذا العدد الضخم يقول:
لا يمكنك عمل "بروفة" حقيقية بهذا العدد من الدرونز، لذا اعتمد فريق العمل في البداية على إعداد تصورات تخيلية دقيقة من خلال عمل "محاكاة رقمية" مسبقة، حيث تم الاعتماد على نماذج ثلاثية الأبعاد على أجهزة الكمبيوتر، لنرى التكوينات والشكل النهائي مسبقًا، وضبط التفاصيل قبل التنفيذ الفعلي في السماء.
أغلقنا كوبري بفرنسا 13 ساعة وصورنا في اليابان بمعبد لأول مرة يصور به مخلوق في التاريخ
وبالحديث عن الجزء الأهم وهو التصوير في الخارج، يذكر المتجول :" التصوير كان صعب جدًا لأننا كنا نصور في كل قارة من قارات العالم فاختارنا بلد من كل قارة، وكل بلد كان بها تحدي مختلف.. ففي اليابان كنا نصور في معبد لأول مرة يصور أحد به في التاريخ".
ويتابع :" وفي فرنسا تم غلق الكوبري الذي يقع أمام برج إيفل خصيصًا لنا 13 ساعة، وهذا بالتنسيق مع وزارة الخارجية المصرية التي ساعدتنا في أشياء كثيرة.. وفي البرازيل صورنا فوق جبل، وفي أمريكا صورنا في وسط النهر حتى نظهر صورة تمثال الحرية بشكل واضح فكل بلد كان بها تحدي مختلف".

سباق مع الزمن.. 20 دقيقة لتصوير تاريخ مصر في إيطاليا
ويواصل المتجول: "الزمن كان عدونا الأول في بعض الدول، وتحديدًا في إيطاليا، لم يكن أمامنا سوى من 15 إلى 20 دقيقة فقط للتصوير، وفقًا لتصاريح معينة وطبيعة الموقع، فكل دقيقة كانت محسوبة بالثانية، فتعمدنا التصوير وقت الشروق والغروب لضمان "السيطرة البصرية" الكاملة، وخروج المسلات المصرية في الخارج بهيبة تليق بقيمتها التاريخية.
سر التوقيت الذهبي Golden Hour كلمة السر
وأكد المخرج، أن التحدي الحقيقي كان الوصول إلى صورة بصرية واحدة تصلح للعرض في جميع دول العالم بنفس الجودة، فكان الهدف أن يشعر المشاهد في أي بلد بنفس الإحساس، سواء صوّرنا في ضوء النهار أو الليل، لذا، كان الرهان على "التوقيتات الدقيقة" فأغلب المشاهد الخارجية صُوِّرت في ساعات الفجر والغروب Golden Hour ، لأنها تمنحنا إضاءة ناعمة بلا خطوط حادة، مما مكننا من تحويل المشهد إلى ليل ساحر دون فقدان أي تفصيلة.
ويوضح: أن كل المسلات التي في إيطاليا تقريبا، صورها في وقت الفجر وفي وقت الغروب فصورنا 14 مسلة في الربع ساعة قبل الشروق، أو التوقيت ذاته قبل الغروب.

البرازيل التجربة الأقسى
وعندما يتحدث عن أصعب التحديات في جولاته الخارجية، يستحضر تجربة التصوير في البرازيل، واصفًا إياها بأنها من أكثر التجارب قسوة، فالوقت كان محدودًا للغاية، لا يتجاوز ساعة ونصف الساعة لتصوير كل شيء، وكان التصوير فوق جبل، ما فرض استخدام عدد كبير من الكاميرات لتغطية الحدث بالشكل المطلوب، ويشير إلى أن صعوبة الموقع، وتعدد الأماكن المرتفعة، جعلت كل تفصيلة في التجربة تحديًا مستقلًا.
يوم الافتتاح " خلاص اللي ذاكر.. ذاكر"
وحول شعوره بما وصفها "لحظة الصفر" حيث بدأ الحفل خلال البث المباشر، يقول:
"يوم الحفلة الواحد بيبقى حاطط إيده على قلبه، "اللايف" يختلف تمامًا عن السينما، فلا يوجد به "إعادة"، ولحظة الهواء هي لحظة الحقيقة، وخلاص اللي ذاكر ذاكر، ولكن من حَضّر جيدًا هو فقط من ينجو".
ويستعيد المتجول بنشوة ينتابها التوتر لحظات القلق أثناء العرض، فيقول: ضغط مرعب حين تنسق بين عشرات الشاشات، وتضبط الإيقاع بين إضاءة، وآلاف الدرونز، وجمهور، وضيوف من رؤساء وملوك العالم.

متى شعر المتجول أن المهمة تمت بسلام؟
ويشير المتجول، إلى أن الحدث مر بسلام، وأن شعور الارتياح الحقيقي لم يأتِ إلا بعد انتهاء الحفل وظهور ردود فعل الجمهور، التي يعتبرها المكافأة الأهم لأي صانع صورة.
وبابتسامة ممتزجة بتنهيدة ينقل لنا مازن شعوره لحظتها فيقول : " انطلاق الألعاب النارية كانت اللحظة اللي تنفست فيها الصعداء.. وكنت منتظر رد فعل الناس لأننا بنشتغل ونفرح من أجلهم.. والحمد لله كانت النتيجة جيدة وتمت المهمة على خير".

استراحة محارب
وبعد عام ونصف من العمل المتواصل على مشروع المتحف، يكشف المتجول أنه يعيش حاليًا فترة هدوء نسبي، يقرأ خلالها نصوصًا جديدة، استعدادًا للعودة بأعمال سينمائية قادمة.

هذه نصيحتي لطلاب العالي للسينما
ويختتم حديثه برسالة صادقة لطلاب المعهد العالي للسينما والأجيال الجديدة، مؤكدًا أن الشغف هو مفتاح النجاح الحقيقي، قائلًا:
"لازم تحب اللي بتعمله عشان اللي بتعمله يديك"، موضحًا أن أي عمل، مهما بدا بسيطًا، يمكن أن يتحول إلى نجاح كبير إذا أُنجز بحب وحماسة حقيقية.




