71 فدانًا تحت الأرض.. سر مشروع يعيد صياغة الحاية في الجيزة
في كل مدينة، هناك ما نختار أن نراه، وما نفضّل أن نُبعده عن أعيننا؛ النفايات، بما تحمله من أثر يومي لحياتنا الاستهلاكية، لطالما كانت الجزء الصامت من الحكاية؛ تُرحَّل بعيدًا عن الواجهة، وكأن التخلص منها نهاية القصة، غير أن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير، فطريقة تعامل المجتمعات مع مخلفاتها تكشف بوضوح مستوى وعيها، وحدود مسؤوليتها تجاه الإنسان والطبيعة والزمن القادم.
فالمدفن الصحي ليس مجرد مساحة لاحتواء ما تبقى من يومنا، بل هو مرآة لفلسفة الدولة في إدارة مواردها وحدودها البيئية؛ هو انتقال من منطق الإخفاء إلى منطق التنظيم، ومن العشوائية إلى العلم، ومن الحلول المؤقتة إلى الرؤية طويلة الأمد؛ وعندما تتحول النفايات من عبء إلى ملف استراتيجي، فإن السؤال لم يعد: أين نلقي المخلفات؟ بل كيف نُدير أثرنا على الأرض دون أن نترك جراحًا مفتوحة في جسد البيئة.

مدفن شبرامنت الصحي
ومن هنا، فإن الحديث عن مدفن شبرامنت الصحي لا يدور حول مشروع هندسي أو أرقام استثمارية، بل حول لحظة وعي جماعي تعترف فيها الدولة بأن التنمية لا تُقاس فقط بما يُبنى فوق الأرض، بل أيضًا بكيفية حماية ما تحتها. إنها محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الإنسان ومخلّفاته، بين الحاضر ومسؤوليته تجاه المستقبل، حيث يصبح التنظيم البيئي فعلًا أخلاقيًا قبل أن يكون إجراءً إداريًا، وخطوة هادئة نحو مدينة تتعلم كيف تعيش دون أن تُرهق محيطها.
ومن هذا المنطلق، يبرز المدفن الصحي بشبرامنت في محافظة الجيزة بوصفه أحد أضخم مشروعات الدفن الصحي في الشرق الأوسط، ونقطة تحول محورية في مسار تطوير منظومة المخلفات البلدية الصلبة في مصر.
تسليم أولي لمشروع استراتيجي
وفي ذلك الصدد كانت أعلنت الدكتورة ياسمين فؤاد، والدكتورة منال عوض، عن التسليم الابتدائي لخلية الدفن الصحي بشبرامنت بمحافظة الجيزة، والتي تُعد الأكبر من نوعها على مستوى الجمهورية، وذلك ضمن خطة الدولة لتطوير البنية التحتية لمنظومة المخلفات، وتنفيذ المرحلة الخامسة من مشروعات البنية الأساسية لمنظومة النظافة.
ويأتي هذا المشروع في إطار رؤية شاملة تستهدف الانتقال من الحلول التقليدية المؤقتة، مثل المقالب العشوائية، إلى منظومة متكاملة تعتمد على أسس علمية وتكنولوجية حديثة، تراعي المعايير البيئية والصحية الدولية.
71 فدانًا تحت السيطرة البيئية
بحسب تصريحات وزيرة البيئة، تم إنشاء خلية الدفن الصحي بشبرامنت على مساحة 71 فدانًا، ما يجعلها من أكبر خلايا الدفن الصحي في منطقة الشرق الأوسط؛ ولم يقتصر المشروع على إنشاء خلية دفن فقط، بل شمل منظومة متكاملة لمعالجة الآثار البيئية المصاحبة لعمليات الدفن.

ويضم المشروع عدد 2 بحيرة تبخير لسائل الرشيح، بمساحة إجمالية بلغت نحو 29.4 ألف متر مربع، إلى جانب شبكة طرق داخلية بمساحات تُقدّر بنحو 14 ألف متر مربع، بما يضمن سهولة الحركة داخل الموقع وانتظام عمليات التشغيل.
بنية متكاملة وتجهيزات حديثة
اعتمد المشروع على بنية تحتية متطورة تضمن التشغيل الآمن والمستدام، حيث تم تزويده بمجموعة متكاملة من التجهيزات الفنية، تشمل مولدات كهربائية، ولوحات توزيع رئيسية، وأعمدة إنارة، وخزانات مياه، فضلًا عن مبنى إداري رئيسي وغرف أمن ومولدات.
كما تم تنفيذ شبكة حديثة لتجميع ونقل سائل الرشيح من الخلية إلى بحيرات التبخير، مكونة من خطي مواسير من مادة HDPE بقطر 90 مليمترًا، بالإضافة إلى عدد 2 طلمبة لرفع وضخ سائل الرشيح، وشبكة مواسير دفع نفقي بعدد 7 خطوط.
ولضمان حماية الموارد الطبيعية، جرى تنفيذ بئرين لمراقبة المياه الجوفية، في خطوة تعكس التزام المشروع بأعلى معايير السلامة البيئية ومنع تسرب الملوثات إلى التربة أو المياه.
عائد بيئي طويل الأجل
وأوضحت الدكتورة منال عوض أن التكلفة الإجمالية لتنفيذ خلية الدفن الصحي بشبرامنت بلغت نحو 294 مليون جنيه، ضمن حزمة استثمارات أوسع لتطوير منظومة المخلفات بمحافظة الجيزة.
ورغم ضخامة التكلفة، تؤكد الجهات المعنية أن العائد الحقيقي للمشروع لا يُقاس بالأرقام المالية فقط، بل بما يحققه من مكاسب بيئية وصحية، من خلال تقليل الانبعاثات الناتجة عن الحرق العشوائي للمخلفات، والحد من غازات الاحتباس الحراري، وتحسين جودة الهواء والصحة العامة للمواطنين.

من الدفن إلى التدوير
لا ينفصل مشروع مدفن شبرامنت عن توجه الدولة نحو الإدارة الرشيدة للمخلفات باعتبارها موردًا اقتصاديًا. ففي محيط المشروع، يجري تنفيذ مشروعات تجريبية لمعالجة وتدوير المخلفات الصلبة وتحويلها إلى طاقة كهربائية، بطاقة استيعابية تتراوح بين 1000 و1500 طن يوميًا.
كما يجري حاليًا تنفيذ مصنع شبرامنت لمعالجة وتدوير المخلفات الصلبة بتكلفة تُقدّر بنحو 495 مليون جنيه، في خطوة تستهدف تقليل حجم المخلفات الموجهة للدفن، وتعظيم الاستفادة الاقتصادية منها.
تعاون مؤسسي واسع
تم تنفيذ مشروع المدفن الصحي بشبرامنت من خلال تعاون مشترك بين عدد من الجهات الحكومية، شملت وزارة البيئة، ووزارة التنمية المحلية، ووزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي، إلى جانب الهيئة العربية للتصنيع، في نموذج يعكس التكامل المؤسسي المطلوب لإنجاح المشروعات البيئية الكبرى.
طفرة بمنظومة المخلفات في الجيزة
وأكدت وزيرة التنمية المحلية أن محافظة الجيزة شهدت خلال السنوات الأخيرة طفرة غير مسبوقة في مشروعات تطوير منظومة إدارة المخلفات، حيث تم الانتهاء من رفع نحو 365 ألف طن من التراكمات التاريخية بمنطقة كعابيش، بتكلفة بلغت 63 مليون جنيه.
كما يجري تنفيذ عدد 2 مدفن صحي بمركزي العياط وأطفيح، بتكلفة إجمالية قدرها 125 مليون جنيه، إلى جانب تسليم معدات المحطة الوسيطة المتحركة بمركز البدرشين بقيمة 15 مليون جنيه، وتنفيذ المرحلة الأولى من المدفن الصحي بمدينة شبرامنت بتكلفة بلغت 35 مليون جنيه.

وبذلك، يصل إجمالي الاستثمارات التي تم ضخها لتطوير المنظومة المتكاملة لإدارة المخلفات بمحافظة الجيزة إلى نحو 1.25 مليار جنيه.
نحو منظومة وطنية مستدامة
يمثل مدفن شبرامنت الصحي نموذجًا عمليًا لتحول الدولة من إدارة الأزمات البيئية إلى التخطيط الاستباقي المستدام، حيث يجمع بين البنية التحتية الحديثة، والاعتبارات البيئية، والبعد الاقتصادي، في إطار رؤية وطنية تستهدف تحسين مستوى النظافة العامة، وتعزيز الصحة العامة، والحفاظ على البيئة للأجيال القادمة.
وفي ظل هذه الجهود، لم يعد ملف المخلفات عبئًا مؤجلًا، بل أصبح أحد محاور التنمية المستدامة، التي تراهن عليها الدولة لبناء مستقبل أكثر نظافة وأمانًا بيئيًا.
وفي النهاية في ظل التحديات البيئية المتزايدة، وتنامي الضغوط الناتجة عن التوسع العمراني والنمو السكاني، لم تعد إدارة المخلفات الصلبة مجرد ملف خدمي، بل تحولت إلى قضية تنموية تمس الأمن البيئي والصحة العامة وجودة الحياة.



