رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

نجلاء نادر تكتب.. الابتزاز العاطفي بين الزوجين: عنف نفسي خفي يهدد استقرار الأسرة

نجلاء نادر
نجلاء نادر

في كثير من العلاقات الزوجية، لا يكون الصراع ظاهرًا في صورة عنف جسدي أو ألفاظ جارحة، بل يتخفّى خلف مشاعر تبدو في ظاهرها حبًا وحرصًا وغيرة، هذا النمط الخفي من الإساءة يُعرف بالابتزاز العاطفي، وهو أحد أخطر أشكال العنف النفسي داخل الحياة الزوجية، لما يحمله من آثار ممتدة على الصحة النفسية للأفراد واستقرار النسق الأسري بأكمله.

المقصود بالابتزاز العاطفي في العلاقة الزوجية 

يُقصد بالابتزاز العاطفي في العلاقة الزوجية استخدام أحد الطرفين لمشاعر الخوف أو الذنب أو الاحتياج أو الحب للسيطرة على الطرف الآخر ودفعه إلى الامتثال لرغبات أو قرارات لا يرغب فيها، وذلك عبر تهديدات صريحة أو ضمنية بخسارة القبول أو الدعم أو الاستقرار العاطفي. وغالبًا ما يُمارَس هذا النمط تحت مسميات مضللة مثل التضحية، أو الخوف على العلاقة، أو الحرص الزائد، الأمر الذي يجعل اكتشافه صعبًا على الضحية في المراحل الأولى.

وتتعدد الأسباب النفسية والاجتماعية التي تسهم في نشوء الابتزاز العاطفي بين الزوجين، حيث يرتبط في كثير من الأحيان بنشأة تربوية غير سوية تعتمد على العقاب العاطفي وإشعار الفرد بالذنب بدلًا من الحوار والتفاهم. كما يلعب الخوف من الهجر أو الفقد دورًا محوريًا لدى الطرف المبتز، إلى جانب ضعف تقدير الذات، وسوء فهم مفهوم الحب، وربطه بالامتلاك أو السيطرة.

وقد تسهم التجارب العاطفية المؤلمة السابقة وغياب الحدود النفسية الواضحة داخل العلاقة الزوجية في تعزيز هذا النمط من التفاعل المرضي.

ويُعد التمييز بين الطرف الذي يمارس الابتزاز والطرف الذي يقع ضحية له خطوة أساسية في مسار العلاج.

فالمبتز العاطفي غالبًا ما يلجأ إلى أساليب غير مباشرة للضغط، مثل الصمت العقابي، أو تكرار التذكير بالتضحيات، أو ربط الحب والرضا بتنفيذ مطالبه، مع حساسية مفرطة تجاه الرفض أو النقد.

في المقابل، تظهر على الضحية علامات نفسية وسلوكية واضحة، من أبرزها الشعور الدائم بالذنب، والخوف من التعبير عن الرأي، وتحمّل مسؤولية مشاعر الطرف الآخر، وفقدان الإحساس بالذات والاحتياجات الشخصية.

وتتسم شخصية المبتز العاطفي بعدة سمات نفسية، من بينها الأنانية الانفعالية، والحاجة المفرطة للسيطرة، وضعف القدرة على التعاطف الحقيقي، والتقلب المزاجي، إلى جانب الميل إلى لعب دور الضحية رغم كونه الطرف المؤذي. أما الضحية، فغالبًا ما تتسم شخصيتها بالتعاطف الزائد، والرغبة المستمرة في إرضاء الآخرين، والخوف من الفقد أو الوحدة، وضعف القدرة على وضع حدود نفسية واضحة، نتيجة أنماط تنشئة سابقة قائمة على الإرضاء والتضحية القسرية.

وتنعكس ممارسة الابتزاز العاطفي سلبًا على الزوجين نفسيًا وسلوكيًا واجتماعيًا. فعلى المستوى النفسي، يؤدي إلى انخفاض تقدير الذات، والقلق المزمن، والاكتئاب، واضطراب الهوية النفسية، وفقدان الشعور بالأمان العاطفي. أما على المستوى السلوكي، فيظهر في صورة انسحاب اجتماعي، وصعوبة اتخاذ القرار، وخضوع مفرط أو عدوان مكبوت، واضطرابات في النوم والأكل. وعلى المستوى الاجتماعي والأسري، يسهم الابتزاز العاطفي في تدهور جودة العلاقة الزوجية، وفقدان الثقة المتبادلة، وتشويه مفهوم الحب والزواج، فضلًا عن انتقال هذه الأنماط غير السوية إلى الأبناء بوصفها نموذجًا تفاعليًا مكتسبًا.

ولا تقتصر آثار الابتزاز العاطفي على الزوجين فحسب، بل تمتد إلى الأبناء، حيث يتعرضون لاضطرابات القلق، وضعف الشعور بالأمان الأسري، وصعوبات في التعبير عن المشاعر، مع احتمالية تكرار نفس الأنماط العاطفية في علاقاتهم المستقبلية، سواء في صورة خضوع مرضي أو نزعة للسيطرة.

ويستلزم التعامل مع الابتزاز العاطفي وعيًا نفسيًا ومهنيًا، يبدأ بالاعتراف بالمشكلة دون تبرير، والعمل على إعادة بناء مفهوم صحي للحب قائم على الاحترام المتبادل والاختيار الحر، ووضع حدود نفسية واضحة داخل العلاقة الزوجية. كما تُعد الاستعانة بالإرشاد الزواجي أو الدعم النفسي المتخصص خطوة مهمة في كسر هذه الدائرة المؤذية، سواء لدى الطرف المبتز أو الطرف المتعرض للابتزاز.

وفي الختام، يمكن القول إن الابتزاز العاطفي ليس تعبيرًا عن الحب، بل صورة من صور العنف النفسي الخفي الذي يهدد كيان الأسرة من الداخل. فالعلاقة الزوجية الصحية لا تقوم على الخوف أو الذنب أو السيطرة، وإنما على الحوار، والاحترام، والأمان النفسي، والشراكة المتوازنة التي تحفظ كرامة الطرفين وتدعم نموهما الإنساني.

تم نسخ الرابط