رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

فضيحة تزوير الجنسيات في ليبيا.. فساد ممنهج يهدد الهوية والأمن القومي

ليبيا
ليبيا

أعاد إعلان السلطات القضائية الليبية عن تزوير عشرات الآلاف من القيود في منظومة السجل المدني إلى الواجهة واحدة من أخطر قضايا الفساد التي تواجه الدولة الليبية منذ سنوات. فالقضية لا تتعلق بمخالفات إدارية محدودة، بل بشبكة واسعة مكّنت آلاف الأجانب من الحصول على الجنسية الليبية بطرق غير مشروعة، في بلد يعاني أصلًا من هشاشة مؤسساته وتداعيات الانقسام السياسي والانفلات الأمني منذ عام 2011.

34 ألف قيد مزوّر

وكشفت النيابة العامة الليبية عن اختراق واسع لمنظومة السجل المدني، أسفر عن تزوير نحو 34 ألف قيد رسمي، إلى جانب التلاعب بالأرقام الوطنية، ما أتاح منح الجنسية الليبية لأجانب لا تنطبق عليهم أي شروط قانونية، وأشارت النيابة إلى أن شبكة الفساد امتدت إلى مدن رئيسية، من بينها طرابلس والزاوية غربًا، وبنغازي شرقًا، وسبها في الجنوب، وهو ما يعكس طابعًا ممنهجًا ومنظمًا لعمليات التزوير، لا مجرد تجاوزات فردية، وأكدت النيابة عزمها ملاحقة جميع المتورطين ومعاقبتهم وفقًا للقانون، مشددة على أن العبث بملفات السجل المدني يُعد جريمة تمس صميم الدولة.

مجلس النواب يدق ناقوس الخطر

من جهته، حذّر مجلس النواب الليبي من خطورة التلاعب بالسجلات الرسمية لمنظومة الأحوال المدنية، معتبرًا أن حصول أجانب على أرقام وطنية بطرق غير مشروعة يمثل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي والهوية الليبية، وأوضح أن هذه التجاوزات لا تمنح فقط صفة قانونية زائفة، بل تتيح أيضًا الاستفادة من امتيازات مادية ومعنوية مخصصة للمواطنين الليبيين، مثل الدعم الحكومي والمنح والخدمات العامة، وطالب المجلس بعدم التهاون مع هذه الوقائع، وإحالة جميع المتورطين إلى القضاء دون استثناء، حفاظًا على السيادة الوطنية ومنع تسلل الهويات المزوّرة إلى قاعدة البيانات الرسمية للدولة.

تحذيرات قانونية من تغيير ديموغرافي

ويرى الخبير القانوني عبد الله الديباني أن ما كُشف عنه يشكّل تهديدًا حقيقيًا للحالة الديموغرافية في ليبيا، خصوصًا أن عددًا كبيرًا من جرائم التزوير وقع في المناطق الحدودية والجنوبية، التي تشهد تدفقات متزايدة من المهاجرين غير النظاميين. 

وأوضح أن النائب العام كان قد شكّل لجانًا خاصة لتدقيق سجلات مكاتب السجل المدني وفحص التسلسل العائلي للأوراق الثبوتية، بناءً على تقارير أمنية أفادت بحمل آلاف غير الليبيين للجنسية الليبية، وأشار الديباني إلى أن التحقيقات أفضت إلى إحالة عدد من المتورطين إلى محكمة الجنايات، مع استمرار الفحص في باقي الملفات.

القانون واضح… والعقوبات صارمة

وبيّن الديباني أن قانون العقوبات الليبي يتعامل بصرامة مع مثل هذه الجرائم، إذ يجرّم تزوير الأوراق الرسمية واستخدامها، ويعاقب الموظف العمومي المتورط بتهمة استغلال الوظيفة لتحقيق مصلحة خاصة، كما يُسقط القانون الجنسية والرقم الوطني عن كل من حصل عليهما بالتزوير، ويعتبر أي منافع مادية، كالدعم أو المنح، جريمة إثراء غير مشروع.

“شعب جديد” على الورق؟

من جانبه، عبّر أستاذ القانون العام مجدي الشبعاني عن قلق بالغ من حجم القضية، معتبرًا أنها لا تمثل جريمة تزوير تقليدية، بل عملية منظمة طالت معظم مكاتب السجل المدني، بما فيها المكاتب الواقعة في المدن الحدودية، وحذّر من أن ضخامة الأعداد قد تؤدي إلى خلق “شعب ليبي جديد” على الورق، في ظل استغلال حالة الفوضى والانقسام السياسي.


وأشار الشبعاني إلى أن عمليات التزوير بدأت منذ عام 2011، بدوافع الحصول على الدعم الحكومي والاعتمادات المالية، لافتًا إلى أن بعض العناصر المتطرفة نجحت في الحصول على جنسيات وجوازات سفر ليبية، مستفيدة من ضعف المنظومة وغياب الربط الإلكتروني الدقيق.

وتعكس فضيحة تزوير الجنسيات في ليبيا أزمة أعمق من مجرد خلل إداري، إذ تمس جوهر السيادة والهوية الوطنية، وتفتح الباب أمام تغييرات ديموغرافية غير محسوبة. ومع استمرار التحقيقات، تبقى الأنظار معلقة على قدرة الدولة على تفكيك شبكات الفساد، وحماية السجل المدني من العبث، باعتباره خط الدفاع الأول عن هوية الليبيين وأمنهم القومي.

تم نسخ الرابط