كارثة هونج كونج: حريق "وانج فوك كورت" يكشف عن سجل سلامة مروع وتجاهل لمخاوف السكان
أدت مأساة حريق مجمع وانج فوك كورت في هونج كونج، الذي اندلع في 26 نوفمبر/تشرين الثاني وأودى بحياة 159 شخصًا على الأقل ليصبح الحادث الأكثر فتكًا في المدينة منذ عام 1948، إلى كشف شبكة من انتهاكات السلامة المتكررة والفساد المزعوم والتجاهل الصارخ لمخاوف السكان. ويتركز التحقيق الآن حول شركة المقاولات المسؤولة عن التجديد، بريستيج للإنشاءات والهندسة (Prestige)، والشركة الاستشارية التي أوصت بها، ويل باور (Well Power).
سجل سلامة كارثي وغرامات متراكمة
تُظهر سجلات وزارة العمل أن شركة بريستيج، التي فازت بعقد تجديد بقيمة 330 مليون دولار هونج كونجي (42.4 مليون دولار أمريكي)، كانت قد غُرّمت من قبل هيئة تنظيم السلامة في المدينة أكثر من اثنتي عشرة مرة في السنوات السبع التي سبقت تعيينها للمشروع.
وقد تراكمت على الشركة غرامات إجمالية بلغت 309 آلاف دولار هونج كونجي بسبب 15 انتهاكًا لسلامة مكان العمل بين عامي 2016 و2019، شملت مخالفات خطيرة مثل تركيب السقالات بشكل غير صحيح والتوصيلات الكهربائية المعيبة.
الأكثر إثارة للقلق هو أن الشركة الاستشارية ويل باور قد ذكرت في عرضها التقديمي لجمعية مُلّاك المنازل أن بريستيج "لم تُسجّل أي مُلاحقة قضائية من قِبَل وزارة العمل"، وهو ما يتناقض بشكل مباشر مع السجلات الحكومية. يشير خبيرا بناء إلى أن المستشارين مسؤولون عن مراجعة سجلات المقاولين، ولا يجوز للمقاولين تقديم معلومات خاطئة أو إخفاء سجلات السلامة.
ألواح فوم شديدة الاشتعال وشبكات غير مطابقة
كشفت السلطات أن سبب الكارثة يعود جزئيًا إلى استخدام مواد غير مطابقة لمعايير السلامة من الحرائق:
ألواح الفوم القابلة للاشتعال: أكدت السلطات أن ألواح الفوم المستخدمة لحماية النوافذ أثناء التجديد كانت شديدة الاشتعال.
شبكات السقالات المعيبة: ثبت أن أجزاء من الشبكة المستخدمة على السقالات لالتقاط الأنقاض لم تستوفِ معايير السلامة. اعترف نائب رئيس هونج كونج بأن المقاولين حاولوا "خداع" المفتشين عبر خلط مواد دون المستوى المطلوب بشبكة عالية الجودة.
إهمال حكومي: أقرت وزارة العمل بأنها أبلغت السكان الذين أعربوا عن مخاوفهم قبل الحريق بأن الشبكة "معتمدة وآمنة"، على الرغم من الشكاوى المتكررة.
حالياً، تخضع شركتا بريستيج وويل باور لتحقيقات في جرائم القتل غير العمد والفساد. وقد أُلقي القبض على ما لا يقل عن ثلاثة مسؤولين من بريستيج وأربعة أشخاص من ويل باور، مع استمرار السلطات في اعتقال المزيد من الأشخاص.

ثورة السكان: صراع ضد التكاليف والمخاطر
كان مجمع وانغ فوك كورت، المكون من ثمانية أبراج سكنية، موطنًا للعديد من العمال ذوي الياقات الزرقاء وكبار السن. بدأت المشاكل تظهر في أوائل عام 2024 عندما تضاعفت التكلفة الإجمالية للمشروع من حوالي 150 مليون دولار هونج كونجي إلى أكثر من الضعف.
أثارت هذه التكاليف الباهظة، إلى جانب شكاوى متكررة حول تدخين العمال في الموقع واستخدام مواد قابلة للاشتعال، "ثورة" بين السكان.
السعي للتغيير: قدم السكان توقيعات لمحاولة إثارة اجتماع خاص لاستبدال مجلس إدارة جمعية أصحاب المنازل وإلغاء عقد بريستيج.
تحدي الإعصار: عُقد الاجتماع أخيرًا خلال إعصار في 6 سبتمبر 2024، حيث تحدى أكثر من 1200 شخص الطقس لحضور الاجتماع الذي امتد حتى الحادية عشرة مساءً، ليتمكنوا في النهاية من تنصيب قيادة جديدة للمجلس.
اليأس يقود السكان للتدخل الذاتي
على الرغم من تنصيب المجلس الجديد وجهوده الفورية لمراجعة المشروع، بما في ذلك حشد فرق تطوعية من السكان ذوي الخبرة في البناء، فإنهم لم يتمكنوا من إلغاء عقد بريستيج بعد أن حذرهم محامٍ من أن هذه الخطوة ستجعل جميع الملاك مسؤولين قانونياً.
هذا الموقف دفع بعض السكان إلى أخذ الأمور بأيديهم في محاولة يائسة لحماية أنفسهم. على سبيل المثال، قام كهربائي وسباك متقاعد، تم تداول صورته بشكل واسع وهو يمزق ألواح الرغوة، بتمزيق ألواح الفوم التي تغطي نوافذه واستبدالها بغشاء بلاستيكي مقاوم للحريق، كما كان يرش الماء بانتظام على الشبكة خارج شقته لإبقائها رطبة. وقال ابنه معبرًا عن عمق اليأس: "على الرغم من إدراكه للمخاطر، فإنه مهما فعل، لم يتمكن من تغيير ما حدث".
تُظهر هذه الكارثة فشلاً مؤسسيًا متعدد المستويات، بدءًا من التهاون في اختيار المقاولين وتقديم معلومات مضللة، وصولًا إلى ضعف الرقابة الحكومية وتجاهل التحذيرات الصادرة من المجتمع المتضرر نفسه في هونج كونج.




