"أمريكا وحدها": خطة أمن قومي لترامب تصفع أوروبا وتُعيد تشكيل العالم
كشفت وثيقة استراتيجية الأمن القومي الجديدة التي أصدرها البيت الأبيض يوم الجمعة عن تحول جذري في أولويات السياسة الخارجية الأمريكية، لخصها شعار "أمريكا وحدها" أو "أمريكا أولاً".
هذه الوثيقة الاستثنائية المكونة من 33 صفحة، والمشبعة بالشكاوى والمظالم، لا تكتفي بتحديد مسار جديد للولايات المتحدة فحسب، بل تُطلق هجومًا حادًا ومهينًا على الحلفاء الأوروبيين التقليديين، وتُقرّ بضرورة تقاسم السلطة مع الصين، وتبحث عن شركاء جدد في نصف الكرة الغربي.
في افتتاحيتها اللاذعة، تعلن الوثيقة انتهاء "أيام دعم الولايات المتحدة للنظام العالمي بأكمله كأطلس"، مشيرة إلى أن واشنطن لم تعد تقبل دور القوة المهيمنة، بل ستصبح قوة أكثر صرامة في مواجهة القوى الصاعدة. وتؤكد: "بينما ترفض الولايات المتحدة مفهوم الهيمنة العالمية المشؤوم لنفسها، يجب علينا منع الهيمنة العالمية للآخرين".
هجوم غير مسبوق على أوروبا ونظرية "المحو الحضاري"
تخصص الاستراتيجية الجديدة أكثر الأفكار إثارة للقلق لأوروبا، التي تصفها الوثيقة بأنها "عدو الولايات المتحدة المُفضل"، وتردد الوثيقة صدى الخطاب اللاذع لنائب الرئيس جيه دي فانس في مؤتمر ميونيخ للأمن، متهمة حلفاء الولايات المتحدة الأوروبيين، دون دليل، بقمع حرية التعبير والديمقراطية وشل اقتصاداتهم بالإفراط في التنظيم.
لكن المثير للصدمة هو استعارة الاستراتيجية لـ نظرية "الاستبدال العظيم" العنصرية، لتؤكد أن أوروبا تواجه "محواً حضارياً"، وتشير الوثيقة إلى أن أغلبية بعض أعضاء حلف الناتو ستصبح "غير أوروبية" في غضون بضعة عقود، مما يجعل أوروبا أقل هيمنة، ويهدد تحالفات أمريكا بأن تصبح "غير قابلة للتمييز بعد عشرين عامًا أو أقل". بل وتذهب الوثيقة إلى أبعد من ذلك، مقترحةً "تنمية مقاومة المسار الحالي لأوروبا داخل الدول الأوروبية"، في إشارة صريحة إلى نية التدخل العلني في الشؤون الداخلية للحلفاء.
تقزيم القضايا العالمية ونقص الوعي الذاتي
في مناطق أخرى، تتسم الوثيقة بـ اختزال وتبسيط القضايا المعقدة. فعلى سبيل المثال، تصف الصراع المستمر في الشرق الأوسط بأنه "الديناميكية الأكثر إثارة للقلق"، بينما تُذكّر بأن "الصراع الإسرائيلي الفلسطيني لا يزال شائكًا"، مما يعكس تفكيرًا متذبذبًا ومتجاهلًا لحجم الأزمة الإنسانية والسياسية.
كما تتجلى إشكالية نقص الوعي الذاتي في انتقاد الوثيقة لأوروبا باعتبارها قوة عسكرية "تخشى الدفاع عن نفسها"، متجاهلة الترحيب الحار الذي يقدمه ترامب للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي لا يزال جيشه عاجزًا عن قهر جاره الأضعف.

التعامل مع روسيا وأوكرانيا: "استقرار استراتيجي" مشروط
من غير المستغرب أن تُجنّب روسيا انتقادات مماثلة، وتُعتبر علاقة جديرة بـ "الاستقرار الاستراتيجي". وتصور الوثيقة الولايات المتحدة ليس كحليف لأوروبا في حلف الناتو، بل كوسيط "للتخفيف من خطر الصراع بين روسيا والدول الأوروبية". وتنتقد بشدة "المسؤولين الأوروبيين الذين يحملون توقعات غير واقعية للحرب، مُعتمدين على حكومات أقلية غير مستقرة"، زاعمة أن الرغبة الشعبية في السلام تُسحق بالرقابة وقمع الديمقراطية.
تُحدد الوثيقة الأولوية القصوى بـ "وقف سريع للأعمال العدائية في أوكرانيا"، وإعادة إرساء "الاستقرار الاستراتيجي" مع روسيا، و"بقاء أوكرانيا كدولة قابلة للحياة". وتمنح الوثيقة بوتين هدية سياسية غير متوقعة، عندما تدعو إلى "إنهاء تصور الناتو كتحالف دائم التوسع ومنعه". كلمتا "البقاء" و"قابلة للحياة" فيما يخص أوكرانيا لا توحيان بأي توجه مستقبلي للتعامل بلطف مع كييف.
مبدأ ترامب" ووعود الأمريكتين
يبحث البيت الأبيض عن إمكانية لتكوين صداقات أقرب إلى الوطن في الأمريكتين، لكنه يخاطر بخيبة الأمل. فـ "مبدأ ترامب" المعلن لمبدأ مونرو القديم لا يقدم فكرة جديدة لعام 2026، بل يُكرس فكرة سيطرة الولايات المتحدة على شواطئها القريبة. وتغفل الوثيقة قلة الحلفاء الأقوياء للولايات المتحدة جنوبها، مهددة بقصف شبكات المخدرات متى شاءت، بينما تُصدر عفوًا عن رئيس سابق فاسد لهندوراس.
تصف الوثيقة، بشكل بلاغي وغير جاد إلى حد كبير، سياسة ترامب بأنها "براجماتية دون أن تكون 'براجماتية'، وواقعية دون أن تكون 'واقعية'، ومبدئية دون أن تكون 'مثالية'، وعضلية دون أن تكون 'صقورية'، ومقيدة دون أن تكون 'حمائمية'".
في نهاية المطاف، تبدو الوثيقة وكأنها ترجمة أكاديمية مُحكمة لخطابات ترامب، لكنها تحمل سلطة الكلمات التي تعلن عن تراجع أمريكي صريح ورفض للقيم والحلفاء الذين دامت عقودًا من الزمن. إنها خطة أمن قومي تُعلن للعالم أن الولايات المتحدة ستسير وحدها، على حساب العلاقات التاريخية والمصالح المشتركة.




