جذور خفية.. أزمة المياه في إيران ليست بفعل الطبيعة فقط
تعيش إيران واحدة من أخطر أزمات المياه في تاريخها الحديث، مع تراجع منسوب السدود، وشح الأمطار، وتوسع مناطق الجفاف، فيما يواجه سكان طهران احتمال انقطاع المياه خلال أسابيع قليلة إذا استمرت الظروف الحالية. ورغم أن التغيرات المناخية تتصدر المشهد، فإن جذور الأزمة – وفق خبراء – أعمق من ذلك بكثير، وترتبط بسياسات داخلية عمرها عقود.
جفاف تاريخي يضع البلاد على الحافة
ذكرت صحيفة واشنطن بوست أن إيران تعاني نقصًا غير مسبوق في كمية التساقطات، وجفافًا ممتدًا منذ خمس سنوات، ليضع البلاد "على حافة الهاوية". وتؤكد الصحيفة أن الطبيعة ليست وحدها المسؤولة عن هذا الوضع، بل إن السياسات التي انتهجتها الحكومات المتعاقبة أسهمت في مفاقمة الأزمة.
سياسات زراعية تعمّق الأزمة
لم تكن المعادلة البيئية وحدها هي المتغير المؤثر. فقد دفعت طهران لسنوات طويلة نحو توسيع المساحات الزراعية المروية بهدف الوصول إلى الاكتفاء الذاتي الغذائي. وضمنت الحكومة شراء محاصيل كثيفة استهلاك المياه مثل الأرز والتفاح، وقدمت دعمًا كبيرًا للأسمدة إلى جانب قروض منخفضة الفائدة للمزارعين.
هذه السياسات ساعدت القطاع الزراعي على النمو، لكنها استنزفت الموارد المائية بشكل غير قابل للاستدامة، خاصة في المناطق القاحلة.

استنزاف خطير للمياه الجوفية
سمحت الحكومة كذلك بحفر آلاف الآبار، ما أدى إلى استنزاف مخزون المياه الجوفية، الذي كان يمثل صمام الأمان الأساسي في فترات الجفاف. وتعد هذه الظاهرة من أكثر العوامل التي ضاعفت هشاشة النظام المائي في إيران، وجعلت البلاد أقل قدرة على الصمود أمام موجات الجفاف التي تضربها اليوم.
دعوات لمراجعة السياسات
بالتزامن مع تفاقم الأزمة، دعا نشطاء وخبراء إلى إعادة النظر في السياسة الزراعية الإيرانية، معتبرين أن توفير الأمن الغذائي "لا يجب أن يأتي على حساب الأمن المائي". إلا أن مثل هذه التغييرات تتطلب – بحسب الخبراء – تحولات عميقة في علاقة إيران مع العالم الخارجي، وفي بنيتها الاقتصادية.
اعتراف رسمي بالجفاف.. لكن دون تغيير في النهج
قال كافيه ماداني، المدير الحالي لمعهد الأمم المتحدة للمياه والبيئة والصحة، إن الجفاف الذي تعانيه إيران "غير مسبوق في حجمه ومدته"، مؤكدًا أن العوامل المناخية لا يمكن تجاهلها، رغم أن السياسات الداخلية ساهمت في تفاقم الأزمة.
ورغم هذا الواقع، حافظت إيران على توجهها، إذ تبنى البرلمان في العام الماضي خطة تنمية خماسية تدعو لإنتاج 90% من السلع الغذائية الأساسية داخل البلاد، مثل القمح والشعير والأرز والبقوليات واللحوم والسكر، وهو ما يعني استمرار الضغط على الموارد المائية المستنزفة أصلًا.



