محمد دياب يكتب: نتنياهو تلميذ مطيع فى مدرسة واشنطن
بنيامين نتنياهو، الرجل الذي اعتاد ارتداء الأقنعة وتبديل المواقف كما يبدل ثيابه، عاد مجدداً ليثبت أنه لا يتحرك إلا وفق إشارة من البيت الأبيض. فهو السياسي الذي لا يعرف للثبات طريقاً، يبرر اليوم ما أنكره بالأمس، ويصنع من التناقض سياسة ومن التلون مبدأ
فبعد تصويت الكنيست على مشروع ضم الضفة الغربية، في قراءة أولى حصدت تأييد ٢٥ نائباً فقط مقابل ٢٤ معارضاً، خرج نتنياهو متراجعاً يبرر ويلوّن الموقف بأن ما جرى "استفزاز من المعارضة خلال زيارة نائب الرئيس الأمريكي"، وأصدر أوامره بتجميد مشاريع الضم حتى إشعار آخر
لكن خلف هذا التراجع لم يكن سوى التهديد الأمريكي الصريح؛ إذ أعلن ترامب أن الضم مرفوض، مُلوّحاً بسحب دعم واشنطن لتل أبيب إن تمادت، فيما وصف نائبه جى دي فانس الخطوة بـ«الغباء السياسي»، معتبراً أنها إهانة شخصية له خلال زيارته لإسرائيل
هذا التراجع المهين ليس جديداً على نتنياهو، فقد سبق أن تبنى عام 2019 مشروع "إسرائيل الكبرى"القائم على ضم الأغوار والكتل الاستيطانية، مستغلاً إعلان ترامب عن "صفقة القرن". كما منح وزير ماليته المتطرف سموتريتش صلاحيات الاستيطان الكاملة عام 2023، ليقود خطة توطين مليون مستوطن جديد في الضفة خلال السنوات القادمة، بالتوازي مع مشاريع قوانين تُكرس مزاعم "الحق التاريخي لليهود" في فلسطين
وفى يوليو الماضي، أقر الكنيست بالأغلبية مشروعاً يعتبر الضفة جزءاً من الدولة العبرية، وتزامن ذلك مع مصادقة الحكومة على بناء ٣٤٠٠ وحدة استيطانية جديدة لربطها بالقدس، ما يعمق فصل شمال الضفة عن جنوبها، ويمهد لضم المنطقة (ج) الخاضعة أصلاً للسيطرة الإسرائيلية بموجب اتفاق أوسلو
لم تغير تل أبيب أهدافها بقدر ما غيّرت أدواتها، فبدل الإعلان الرسمي عن الضم، تمضي نحو فرض واقع ميداني جديد، عبر توسيع المستوطنات، وإنشاء الطرق الالتفافية، وتكثيف الوجود الأمني، وتهميش أي مظهر للسيادة الفلسطينية
لكن ما أربك نتنياهو مؤخراً هو التباين مع واشنطن، التي بدأت تتعامل مع حكومته باعتبارها «عبئاً غير منضبط»، خاصة مع تحركات أمريكية ميدانية في غزة دون تنسيق مع إسرائيل، ومبادرات لتشكيل قوة دولية لمراقبة وقف إطلاق النار، وهو ما ترفضه تل أبيب بشدة
البيت الأبيض لم يعد يرى في نتنياهو شريكاً يمكن الوثوق به، وانما اصبح عقبة أمام "رؤية ترامب للسلام الإقليمي"، القائمة على تطبيع العلاقات العربية الإسرائيلية وبناء شراكات اقتصادية أوسع. ومما زاد الطين بلة، تصريحات وزير المالية الإسرائيلي المسيئة للسعودية، والتي وضعت الإدارة الأمريكية في حرج أمام حلفائها العرب
وهكذا يجد نتنياهو نفسه اليوم بين خيارين أحلاهما مر :
إما الخضوع لإملاءات واشنطن والبقاء داخل بيت الطاعة الأمريكي، أو كسر العصا والانتحار سياسياً عبر تفكيك ائتلافه المتطرف والدخول في انتخابات غير مضمونة
لكن يبقى السؤال الأهم :
هل موقف أمريكا مبدئي فعلاً، أم أنه مجرد ضبط للتوقيت والصيغة بما لا يضر مصالحها؟
الإجابات ما زالت غامضة، لكن المؤكد أن نتنياهو فقد القدرة على المناورة، وأن واشنطن باتت تمسك بالخيوط كلها