خبير في الشأن الروسي يكشف في حوار لـ"الجمهور" مستجدات الحرب الأوكرانية
تستمر الحرب الروسية الأوكرانية في الكشف عما في جعبتها، مع تمسك كل طرف بأهدافه من الحرب، فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، يرغب في تحييد أوكرانيا عن الانضمام لحلف الناتو، نظرًا لما يشكله الأمر من خطورة على أراضيه، بينما يرى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أحقية بلاده في الانضمام للحلف، وفي هذا السياق، أجرى موقع “الجمهور” الإخباري حوارًا مع الدكتور محمود الأفندي، خبير الشؤون الروسية، ليكشف الأخير عن مجريات الصراع، وإليك نص الحوار.

1- هل تعتبر الحرب الروسية الأوكرانية نزاعًا إقليميًا فقط أم صراعًا عالميًا غير مباشر بين روسيا والغرب؟
الحرب الروسية الأوكرانية ليست نزاعًا إقليميًا فقط، هو نزاع دولي بين معسكرين الغرب والشرق، الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ودول حلف الناتو ودول حليفة لحلف الناتو مثل نيوزيلاندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية وحلف الشرق بقيادة الصين وروسيا وكوريا الشمالية وإيران، وعلى الرغم من أن الحرب عسكرية لكنها كانت لاستنزاف هذه الدول، وبالتالي هذه الحرب هي حرب عالمية ثالثة لكن بالوكالة، لأنه من المستحيل دول نووية، مثل الولايات المتحدة وروسيا تحارب بعضها لأن ذلك سيؤدي لكوارث دولية، وبالتالي يمكن ايجاد دول بديلة للدخول في الحرب مثل أوكرانيا، وبالتالي فإن أفضل تعريف لهذه الحرب هو حرب بين معسكر الشرق ومعسكر الغرب، وفي طريقها للانتهاء لأن الذي استنزف هو معسكر الغرب وليس معسكر الشرق.

عندما أزيل حائط برلين، كانت هناك وعود من الغرب بعدم تقدم حلف الناتو ناحية الشرق لـ"سم" واحد، لكن منذ 97 توسع حلف الناتو على حدود روسيا، وبالتالي كانت أوكرانيا هي خط أحمر بالنسبة لروسيا، لأسباب منها طول الحدود بين روسيا وأوكرانيا، كما أن الجزء الشرقي من أوكرانيا هي أراضي روسية تاريخية، وبالتالي فهي لا تحتمل أن يتحول مواطنيها الموجودين هناك لأعداء لروسيا، وبدلا من أن تقوم الحرب العالمية الثالثة بين روسيا والولايات المتحدة، قامت روسيا بعملياتها في أوكرانيا وهو ما يعرف باسم حرب الوكالة.
2- ما مدى مشروعية المطالب الروسية بعدم توسع الناتو شرقًا؟ وهل دخول أوكرانيا في الناتو تهديد واقعي لروسيا أم مجرد ذريعة؟
مطالب روسيا هو عدم التوسع شرقا من حلف الناتو، ومن المعروف عن حلف الناتو إنه حلف دفاعي ومع ذلك طلبت روسيا الانضمام إليه عدة مرات، وقوبلت طلباتها بالرفض، ومن هنا السؤال يطرح نفسه طالما هو حلف دفاعي، لماذا يتقدم ناحية روسيا؟، وبالتالي ظهرت نواياه في التقدم ناحية روسيا وتفكيكها إلى دويلات صغيرة، كما حدث في يوغسلافيا، وهو الغرض الرئيسي من دخول أوكرانيا لحلف الناتو، وهو تفكيك روسيا وتحويلها لدويلات صغيرة.

3- هل ترى إن طلب بوتين تخلي أوكرانيا عن السيطرة الكاملة على دونباس كشرط لإنهاء الحرب شرط عادل؟
روسيا لم تكن ترغب في ضم إقيلم دونباس، ولكن الشئ الأكثر أهمية بالنسبة لها هو حياد أوكرانيا عن الانضمام لحلف الناتو، لأنه عندما انفصلت أوكرانيا عن الاتحاد السوفيتي كان هناك ميثاق الاستقلال 1991، والذي نص على أن تكون أوكرانيا دولة محايدة وصديقة روسيا، أما في عام 2013، وتحديدًا في الانقلاب الدموي، خرجت أوكرانيا عن ميثاق الاستقلال، وبالتالي فإن أهمية الحرب بالنسبة لروسيا تتمثل في عدم انضمام أوكرانيا لحلف الناتو، والدليل أن روسيا لم تضم المناطق الأربعة إلا في الشهر التاسع من الحرب في 2022، والذي كان نتيجة اقنتاع روسيا أن اوكرانيا مستمرة في سياسيتها وعدم الحياد.

الشرط الأساسي هو حياد اوكرانيا ولكن نتيجة لخروج اوكرانيا من اتفاقية اسطنبول 2022 وعناد الغرب، وقدوم بوريس جونسون، رئيس الوزراء البريطاني السابق، لأوكرانيا في 2022، وأمر أوكرانيا باستمرار الحرب، وهو ما جعل روسيا تقرر ضم 4 مناطق، وهو ما وضع روسيا في موقف صارم أمام الدستور، لأنها لن تستطيع التفاوض على هذه الأراضي التي سبق وأن ضمتها، وهذه الأراضي، عليها شعب روسي وناطق باللغة الروسية.
4- من الرابح اقتصاديًا من هذه الحرب؟ وهل فعلاً العقوبات الغربية أضعفت الاقتصاد الروسي؟
الحرب بالوكالة، الولايات المتحدة انتصرت على روسيا في الحرب الاقتصادية في أوروبا، واستطاعت طرد روسيا من أوروبا اقتصاديًا، روسيا كان لديها مشاريع اقتصادية كبيرة في أوروبا، وكانت تبيع الطاقة والغاز الرخيص لعدد من دول أوروبا، لكن استطاعت الولايات المتحدة من خلال فرض العقوبات، تفجير خطين غاز تحت بحر البلطيق، واستطاعت أن تطرد روسيا اقتصاديًا، لكن الخاسر الرئيسي هي أوروبا نفسها، خاصة أنها أصبحت مستعمرة اقتصادية للولايات المتحدة، وهو ما أدى فعليًا إلى تراجع الاقتصاد، وتعتبر إسبانيا هي أقوى دولة اقتصادية في أوروبا، نتيجة لتراجع الاقتصاد الألماني والفرنسي والإيطالي، وعلى الرغم من خسارة روسيا اقتصاديًا في أوروبا لكنها ربحت عسكريًا في اوكرانيا، ومن هنا يمكن القول أن الخاسر الأكبر هي أوكرانيا وأوروبا، فأوكرانيا خسرت أراضيها، وأصبحت ضعيفة اقتصاديًا، أما أوروبا أصبح اقتصادها متراجع.

5- هل نحن أمام حرب حقيقية، أم "مسرح عمليات" مُدار بعناية بين الكبار؟
الغرض الرئيسي من إدخال الغرب لأوكرانيا في حرب مع روسيا، هو إنهاك روسيا اقتصاديًا وخسارة روسيا استراتيجيًا، وفقًا لمسؤولين أوروبين، بالإضافة إلى الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، لكن استطاعت روسيا الصمود أمام الوابل من العقوبات الاقتصادية بفضل حلفائها، حيث طبق عليها 22 ألف عقوبة اقتصادية، وهو رقم كبير، وبالتالي كان الغرض من ذلك زعزعة استقرار روسيا اقتصاديًا من الداخل وبالتالي يؤدي إلى انقلاب أو تفكك "هزيمة استراتيجية"، ودول أوربا كانت مقتنعة بهذا الأمر، لكن أمريكا لديها رؤية أخرى وهي أن روسيا لم تخسر الحرب.

نهاية الحرب الروسية الأوكرانية، وفقا للشروط الروسية سوف يؤدي لنتائج كارثية لدى الغرب، منها انهيار الاتحاد الأوروبي اقتصاديًا، وبعد عدة شهور سوف ينهار حلف الناتو، وهذا نتيجة عدم وجود خطة بديلة، بينما الولايات المتحدة تملك خطة بديلة، فهناك علاقات اقتصادية، مثل قمة الاسكا، وبالتالي يمكن القول إن الولايات المتحدة تخلت عن أوروبا في صراعها مع روسيا.
6- هل تورطت أوكرانيا في صراع يتجاوز قدرتها كدولة بسبب وعود الغرب؟
أوكرانيا دولة كبيرة جدا، وقدراتها العسكرية كبيرة جدا، 50 ٪ من الصناعات العسكرية السوفيتية التي كانت تحارب الولايات المتحدة وحلف الناتو ودول الغرب كانت تصنع في أوكرانيا، فهي تتمتع ببنية عسكرية قوية جدا، وتعتبر أقوى دولة في أوروبا بعد روسيا الاتحادية من حيث الإنتاج العسكري وعدد الجيش وتطوير القوات، لكنها تورطت في الحرب، لأنها دخلت كأداة، وبالتالي الأداة تستخدم فقط ولا تقرر، لذلك كان يجب عليها أن تتوقف عن العمليات العسكرية وتوقع اتفاقية سلام مع روسيا، وتحافظ على أراضيها، لكن ارتباط القيادة الأوكرانية بالغرب هو من ورطها في استمرار الحرب، نظرا لاعتقاد دول أوروبا باحتمالية تدمير روسيا من خلال العقوبات التي سوف تفرض عليها، وعلى الرغم من ذلك، ساعدت أوروبا، أوكرانيا، فالاقتصاد الأوكراني قائم على الأموال الأوربية، لكن المشكلة تمثلت في اقتناع الغرب بقدرته على هزيمة روسيا، وهو ما لم يحدث.



