رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

دكتورة أمل منصور تكتب.. الحرية العاطفية ليست ترفا أنثويا

دكتورة أمل منصور
دكتورة أمل منصور

ليست الحرية العاطفية ترفًا تطلبه المرأة لتُمارس بها نزقها أو تجريبها، بل هي حاجة إنسانية تُمكِّنها من أن تكون كائنًا قادرًا على الفهم، والاختيار، والتعبير دون خوف، فالمرأة التي تُحرم من حقها في التعبير عن مشاعرها، تُحرم من نصف وجودها، الحرية العاطفية ليست انفلاتًا من القيم، بل اتزانًا داخليًا يجعلها تعرف متى تقول نعم ومتى تصمت، ومتى تبتعد دون أن تُكسر.

في مجتمعاتنا الشرقية، ما زال يُنظر إلى عاطفة المرأة كخطر يجب تقييده، لا كطاقة يجب توجيهها، تُربى الفتيات على الحذر المبالغ فيه من مشاعرهن، وعلى أن الحب ضعف، والبوح به تهور، بينما يُشجع الرجل على التجربة والتعبير والاختيار، وهكذا تنشأ فجوة نفسية واجتماعية تجعل كثيرًا من النساء يدخلن العلاقات وهن يخفين ذواتهن خوفًا من الحكم عليهن.

حين تُمنع المرأة من ممارسة حريتها العاطفية، تفقد تدريجيًا بوصلة ذاتها، تَصمت حين يجب أن تتكلم، وتُرضي حين يجب أن ترفض، وتنتظر أن يفهمها الآخر دون أن تقول، هذه ليست أنوثة ولا فضيلة، بل نتيجة تنشئة خائفة من صوتها الداخلي، فالحرية هنا لا تعني العصيان، بل القدرة على أن تختار المرأة ما يناسبها دون وصاية، وأن تمتلك أدوات الفهم قبل أن تُمنح حق الارتباط.


أما عن حق المرأة في اختيار شريك حياتها، فهو لا يتعارض مع طبيعة مجتمعنا الشرقي الذي اعتاد أن يبادر الرجل بطلب الزواج، فالاختيار لايعني أن تسعي الفتاة أو تلاحق، بل أن تمتلك بصيرة تميز بها مايناسبها وان تكون قادرة أن تقول نعم او لا  من واقع الوعي لا الخضوع، أن استراتيجيتها في ذلك تقوم علي ثلاثة أبعاد، أولها التربية الواعية التي تمنح الفتاة ثقة في نفسها وقدرتها علي اتخاذ القرار دون خوف وثانيها الحوار الأسري المفتوح الذي يتيح لها التعبير عن رأيها بصدق دون أن تقابل بالتوبيخ أو الاتهام وثالثهما الاحترام المتبادل في المجتمع الذي يعترف بأن للفتاة صوتا في مصيرها، وأن الزواج شراكة لا صفقة، بهذه الركائز تصبح الفتاة شريكة في القرار لا تابعة، وتتعلم أن تري الرجل الذي يتقدم إليها بعين ناضجة لا بعين الخوف من فوات الفرصة، فالاختيار في الإطار الاجتماعي الشرقي لايعني كسر التقاليد بل ممارستها برعي يحفظ الكرامة ويعلي من شأن الاحترام المتبادل.


الحرية العاطفية تعني أيضًا حق المرأة في أن تخوض التجربة بمعناها الإنساني الواعي، لا بمعناها السطحي الذي قد يسيء الفهم، فحق التجربة في مجتمعنا الشرقي لا يعني التمرد على الأعراف أو خوض علاقات متعددة، بل يعني أن تتعلم الفتاة كيف تفهم نفسها ومشاعرها، وكيف تختبر أفكارها حول الحب والزواج ضمن حدود القيم، حتى لا تدخل حياةً مصيرية بوعي غائب. 

إنها تجربة داخلية بالأساس، نضج روحي وعقلي يجعلها تعرف من تختار ولماذا تختاره، بهذا المعنى، لا يُمكن أن يُفهم “حق التجربة” إلا كرحلة نضج ومسؤولية، لا كمغامرة عاطفية.

لكن المعضلة أن المجتمع لا يمنحها مساحة لهذا النضج، يُطالبها بأن تكون ناضجة في زواجها الأول، ومُطيعة في أول علاقة، وكأن الخبرة تولد فجأة، تُلام إن أخطأت، وتُحاكم إن عبّرت، وتُصنف إن أحبت، وفي المقابل، يُغفر للرجل كل ارتباك تحت شعار “هو يتعلم الحياة”، إن هذا التناقض يزرع في وعي المرأة خوفًا من مشاعرها، فتعيش صراعًا بين ما تشعر به وما يُنتظر منها.

ولأن الحب في مجتمعاتنا كثيرًا ما يُقاس بميزان العرف لا الوجدان، تُحرم المرأة من ممارسة حقها الأصيل في اختيار شريك حياتها، لا لأنها عاجزة عن التمييز، بل لأن التقاليد تحكم بأن “الرجل هو من يختار”، فيُنتظر منها أن تُختار، لا أن تختار. 

لكن الحق في الاختيار لا يعني أن تذهب الفتاة لتطلب الارتباط، بل أن تُدير وعيها بما يليق بها، أن تعرف ما تريده في شريك حياتها، وأن تضع لنفسها معايير واضحة دون خضوع للضغوط أو إرضاء للمجتمع.

اختيارها لا يكون بالمبادرة العلنية، بل بالاتزان الداخلي الذي يجعلها تعرف متى تُبدي قبولها ومتى تُخفي رفضها برقي، أن تمتلك استراتيجية نفسية وفكرية تُعينها على التمييز بين الإعجاب والارتباط، بين الارتياح اللحظي والتوافق الحقيقي، أن تسأل نفسها قبل أي خطوة: هل أراه كما هو أم كما أتمنى؟ هل أختاره بدافع الاحتياج أم بدافع الوعي؟ فحقها في الاختيار لا يخرج عن الإطار الاجتماعي، لكنه يُعيد تعريفه من الداخل، فيصبح قرارها شريكًا في القرار لا تابعًا له.

وعندما تُدرك المرأة هذه المساحة من الحرية الواعية، تنشأ علاقات أكثر توازنًا، لا تبحث فيها المرأة عن منقذ، ولا يتعامل الرجل مع شريكة تحتاج إذنًا لتشعر، الحرية هنا تُصبح جسرًا للتفاهم لا ميدانًا للصراع، وتجعل العلاقة مؤسسة على الصدق لا على الأقنعة.

إن منح المرأة حرية عاطفية ناضجة، لا يُهدد استقرار المجتمع كما يُروج البعض، بل يحميه من زواجات فاشلة ومشاعر مكبوتة وانكسارات صامتة، فحين تختار المرأة بوعي، تُقلل احتمالات الندم، وحين يُمنحها المجتمع الثقة بدل المنع، تُثمر الحرية مسؤولية.

الحرية العاطفية ليست رفاهية نسوية، بل حق إنساني يكتمل به اتزان المرأة والرجل معًا، لأنها حين تُحب بعقلها وقلبها معًا، لا تُربك المجتمع، بل تُنضجه.

تم نسخ الرابط