رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

دكتورة أمل منصور تكتب: ما بين الحرب والحب.. عبور لا يشبه سواه

دكتورة أمل منصور
دكتورة أمل منصور

في السادس من أكتوبر، لم تكن السماء فقط شاهدة على نصرٍ عسكري، بل على ميلاد جديد لوطنٍ أصرّ أن يكتب تاريخه بيده، كان الضوء يخرج من بين الدخان، والرجال يعبرون القناة لا ليثبتوا قوتهم فحسب، بل ليستعيدوا شيئًا أعمق: كرامتهم، كانت الأرض تهتز تحت أقدامهم، والقلوب تهتز في صدور الأمهات والزوجات، كل نبضةٍ دعاء، وكل دمعةٍ سلاحٌ من نوعٍ آخر.

ذلك العبور لم يكن مجرّد خطوة فوق الماء والنار، بل عبور من الهزيمة إلى النهوض، من الشك إلى الإيمان، من الخوف إلى الكرامة، وما أشبه هذا العبور بما نعيشه نحن في معاركنا الخفية، تلك التي لا يُرفع فيها علمٌ، لكنها تشتعل في أعماق القلب حين نحاول أن نحب رغم الخذلان، وأن نُكمل رغم الجراح.

فكما تحتاج الجيوش إلى خطةٍ وصبرٍ وثقةٍ بالقيادة، تحتاج القلوب أيضًا إلى وعيٍ يقودها وسط فوضى المشاعر، الحب، مثل الحرب، ليس دائمًا عذوبةً وسلامًا، بل هو اختبارٌ متكرر لقوة الإنسان في مواجهة ضعفه، ولإيمانه بما يريد أن يُنقذه من الانهيار.
إن كل علاقة تمر بلحظة هزيمة؛ خلافٌ، خيبة، انسحاب مؤقت، لكن من يملك الشجاعة ليعبر إلى الضفة الأخرى من الفهم، هو من ينتصر في النهاية.

في الحروب، ينهزم من يفقد ثقته بنفسه، وفي الحب، ينهزم من يفقد ثقته في المعنى.
ولعل هذا هو سرّ النصر الحقيقي في كل ساحة: أن تحافظ على روحك رغم الانكسار.
لقد علّمنا أكتوبر أن لا هزيمة تُكتب على من قرّر أن يُعيد تعريف نفسه، وأن النهوض من الألم لا يقل بطولة عن القتال في الميدان.

في بيوت كثيرة آنذاك، كانت نساء الوطن يكتبن فصلهنّ الخاص من النصر، ينتظرن على أعتاب الغياب، بين خوفٍ من الفقد وأملٍ بالعودة، بعضهن فقدن من أحببن، لكنّهن لم يفقدن الإيمان. كانت دموعهنّ صامتة، لكنها كانت تُطفئ نارًا وتُشعل وطنًا، لم يكن الحزن ضعفًا، بل طاقةً من نوعٍ مختلف؛ طاقة تحوّل الألم إلى عزّة، والفقد إلى كرامة.
إنه الدرس الذي نحتاجه اليوم ونحن نخوض معاركنا العاطفية: أن نصبر، لا لأننا لا نملك خيارًا آخر، بل لأننا نؤمن أن ما نحبه يستحق البقاء.

كل عبور، سواء كان فوق مياه قناةٍ أو فوق جراح قلبٍ، يحتاج إلى رؤية.
في الحرب، الرؤية هي استعادة الأرض، وفي الحب، الرؤية هي استعادة الذات.
من لا يعرف ماذا يريد من الحب، كمن يدخل معركة بلا خطة، ينهزم قبل أن تبدأ الطلقات.
أما من يُدرك أن النضج هو الهدف، فإنه يحوّل كل خسارة إلى خطوة نحو وعيٍ أعمق.

أكتوبر لم يكن معركة بين جيشين فقط، بل بين صورتين للإنسان: إنسانٍ يستسلم لضعفه، وآخر يقرر أن يتجاوزه.
وهكذا الحب بين رجلٍ يهرب من خلافٍ صغير كأنه هزيمة كبرى، وامرأةٍ تصمت لتمنح المساحة للسلام كي يعود، يولد النصر الحقيقي في العلاقات.
إن الذكاء العاطفي هو الخطة التي تمنع الحروب الصغيرة من أن تتحول إلى دمارٍ كبير.
أن تعرف متى تتراجع لتربح، ومتى تصغي لتفهم، ومتى تتوقف عن الدفاع لتبدأ بالاحتواء.

في لحظة النصر، لم يشعر المصريون أنهم انتصروا على عدو فقط، بل على شعورٍ قديم بالعجز.
وفي كل علاقة تنجح بعد خلافٍ مرير، يحدث الشيء ذاته:
ننتصر على فكرة أن الحب يموت، فنكتشف أنه يتجدد متى وُجد الإيمان به.
تلك هي البطولة التي لا تُروى في نشرات الأخبار، لكنها تُكتب على وجوه الذين صبروا حتى تبدّد الخوف من صدورهم.

الحرب والحب وجهان لرحلةٍ واحدة: رحلة الإنسان في بحثه عن ذاته.
كلاهما يختبر فينا الصبر، والإصرار، والقدرة على استعادة الكرامة بعد الانكسار.
ومن يتقن هذا العبور، لا يعود كما كان؛ يصبح أهدأ، أعمق، وأصدق في مشاعره.
فكما خرج الوطن من حربه أقوى، يخرج القلب من أزماته أكثر نضجًا وأقل خوفًا من الفقد.

ما بين الحرب والحب، دروس لا تُنسى:
أن الخسارة لا تُنهي القصة، وأن النهايات ليست دائمًا هزائم،
وأن كل ما نمرّ به يمكن أن يكون عبورًا إلى وعيٍ جديد،
إذا اخترنا أن نرى فيه بداية لا نهاية.

ما بين الحرب والحب… عبور لا يشبه سواه، لأن كليهما لا ينتصر بالسلاح، بل بالإيمان.

تم نسخ الرابط