أسرى مقابل هدنة.. هل تُنهي صفقة «الستة الكبار» الحرب على غزة؟
وسط أجواء من الحذر والترقب، تتواصل المفاوضات غير المباشرة بين حركة "حماس" وإسرائيل في مدينة شرم الشيخ المصرية، برعاية مصرية-قطرية-تركية، للوصول إلى اتفاق نهائي حول تبادل الأسرى ضمن إطار اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، الذي تم التوصل إليه فجر الخميس الماضي.
ورغم التقدم الملحوظ في ترتيب الجوانب اللوجستية للعملية، لا تزال عقدة "الستة الكبار" من الأسرى الفلسطينيين تمثل العقبة الأساسية أمام اكتمال التفاهم، في ظل إصرار حماس على إدراج قادة بارزين ضمن الصفقة، على رأسهم مروان البرغوثي وأحمد سعدات، مقابل رفض إسرائيلي متكرر لهذا الطلب.

المفاوضات مستمرة والوسطاء يكثفون الجهود
كشفت مصادر مطلعة أن الوسطاء، وخصوصًا مصر وقطر وتركيا، يبذلون جهودًا استثنائية لتقريب وجهات النظر بين الطرفين، بهدف تجاوز النقاط الخلافية والتوصل إلى قائمة نهائية متفق عليها تشمل أسماء الأسرى الفلسطينيين الذين ستُفرج عنهم إسرائيل.
وأفادت ذات المصادر بأن "الفصائل الفلسطينية أعربت عن استعدادها لتسليم جميع المحتجزين الإسرائيليين الأحياء، وعدد من الجثث، قبل الموعد المحدد الإثنين، في حال وافقت إسرائيل على إدراج قادة الأسرى الستة في قائمة الصفقة".
الجدير بالذكر أن المفاوضات الجارية في شرم الشيخ تعتبر تتويجًا لسلسلة اتصالات ماراثونية، جرت في الأسابيع الأخيرة، بين قيادات "حماس" والوسطاء، على وقع ضغوط شعبية فلسطينية متزايدة لوقف الحرب والإفراج عن الأسرى.
قلق فلسطيني من مماطلة إسرائيلية
زاد التوتر في الأوساط الفلسطينية خلال الساعات الماضية، بعدما سُرّبت قائمة أولية من قبل الجانب الإسرائيلي، لأسماء الأسرى الفلسطينيين المتوقع إطلاق سراحهم، لكنها خلت من أسماء القادة البارزين، في خطوة وُصفت بأنها محاولة من إسرائيل لتقليص مكاسب "حماس" السياسية من الصفقة.
وبحسب مصادر مقربة من المفاوضات، فإن إسرائيل رفضت إطلاق سراح نحو نصف القائمة المقدمة من "حماس"، والتي تضم نحو 25 من كبار الأسرى الفلسطينيين، في مقدمتهم مروان البرغوثي، أحد رموز الانتفاضة الثانية وعضو المجلس التشريعي الفلسطيني.
من هم «الستة الكبار»؟
يطلق هذا المصطلح على ستة من أبرز القيادات السياسية والعسكرية الفلسطينية القابعين في السجون الإسرائيلية منذ سنوات طويلة، وغالبيتهم صدرت بحقهم أحكام مؤبدات متعددة، وهم:
1. مروان البرغوثي (فتح) – اعتقل عام 2002، ويقضي خمس مؤبدات وأربعين عامًا. يُعتبر شخصية فلسطينية توافقية ويحظى بشعبية واسعة.
2. أحمد سعدات (الجبهة الشعبية) – الأمين العام للجبهة، اعتُقل عام 2006، وحُكم عليه بـ30 عامًا.
3. عبد الله البرغوثي (حماس) – اعتقل عام 2003، ويُعد صاحب أطول حكم بالسجن في تاريخ إسرائيل: 67 مؤبدًا و5200 عام.
4. إبراهيم حامد (حماس) – قائد بارز في الضفة الغربية، اعتُقل عام 2006، ويقضي 54 مؤبدًا.
5. حسن سلامة (حماس) – اعتُقل عام 1996، ويقضي 48 مؤبدًا و30 عامًا إضافية.
6. عباس السيد (حماس) – اعتُقل عام 2002، وحُكم عليه بـ35 مؤبدًا ومئات السنوات الإضافية.
وتشكل ملفات هؤلاء الأسرى نقطة حساسة في أي مفاوضات، حيث ترى إسرائيل أن إطلاق سراحهم يمثل "خطرًا أمنيًا" واستثمارًا سياسيًا كبيرًا لصالح "حماس"، بينما تعتبرهم الفصائل أولوية لا يمكن التنازل عنها في أي صفقة تبادل.
تفاصيل الصفقة المقترحة
وفقًا لما تم الاتفاق عليه فجر الخميس، ستُفرج حركة "حماس" عن 20 محتجزًا إسرائيليًا أحياء، إلى جانب 28 جثمانًا لمن تم تحديد أماكنهم، في مقابل إفراج إسرائيل عن:
• 250 أسيرًا فلسطينيًا من أصحاب الأحكام المؤبدة.
• أكثر من 1700 معتقل فلسطيني، بينهم جميع النساء والأطفال، ممّن اعتقلهم الجيش الإسرائيلي بعد 7 أكتوبر 2023.
كما أكدت مصادر مطلعة أن الاتفاق ينص على إبعاد عدد من الأسرى المفرج عنهم إلى خارج الأراضي الفلسطينية، وهو بند عادة ما يُثير جدلاً داخليًا في الساحة الفلسطينية.
تنسيق ميداني محكم
بالتوازي مع مسار المفاوضات السياسية، بدأت الأطراف ترتيبات تنفيذ صفقة التبادل. وأفادت مصادر في قطاع غزة بأن "حماس" أنهت استعداداتها لتسليم المحتجزين، ونقلتهم إلى مواقع سرية في القطاع، تمهيدًا لتسليمهم للجنة الدولية للصليب الأحمر، صباح الإثنين.
كما أُغلقت شوارع رئيسية، أبرزها شارع البحر في خان يونس، تمهيدًا لاستقبال الأسرى الفلسطينيين المحررين، حيث ستُجرى لهم فحوصات طبية أولية في مستشفيي ناصر وشهداء الأقصى، قبل مشاركتهم في احتفالات جماهيرية واسعة النطاق.
إسرائيل تبدأ التحضير لنقل الأسرى
في المقابل، نقلت إسرائيل الأسرى الفلسطينيين المدرجين ضمن الصفقة من سجونهم إلى سجني "عوفر" في الضفة الغربية و"كتسيعوت" في صحراء النقب، تمهيدًا لتنفيذ عملية التبادل.
وشوهدت مشاهد مصورة لقوات إسرائيلية وهي تنكّل بالأسرى أثناء نقلهم، ما أثار موجة غضب على وسائل التواصل الاجتماعي. وسيتم نقل الأسرى من سجن "عوفر" إلى الضفة الغربية، بينما سينقل من "كتسيعوت" إلى قطاع غزة أو إلى مصر في حال تقرر إبعادهم.
وسيُشرف الصليب الأحمر على عملية التبادل بالكامل، وستتم دون تغطية إعلامية أو مظاهر احتفالية، بناءً على اتفاق الطرفين.
الجدول الزمني المتوقع لعملية التبادل
قال مصدر مطّلع على سير المفاوضات إن عملية تسليم المحتجزين الإسرائيليين الأحياء ستتم دفعة واحدة صباح الاثنين، بالتزامن مع إطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين.
وأوضح المصدر أن الوسطاء فقط يعلمون توقيت التسليم النهائي، وقد يتم إبلاغ الجانب الإسرائيلي قبل ساعات فقط من تنفيذ العملية، لأسباب أمنية.
وتشير تقديرات إسرائيلية إلى أن المحتجزين قد يتم إطلاق سراحهم من عدة نقاط متفرقة في غزة في وقت متزامن، أو من نقطة واحدة محددة، وفق اتفاق مشترك مع "حماس" والصليب الأحمر.
صفقة تاريخية مرهونة بالعقدة الأخيرة
رغم الزخم السياسي والإعلامي المحيط بصفقة التبادل، يبقى تنفيذها مرهونًا بإيجاد حل لعقدة أسماء القادة الأسرى، التي تصر "حماس" على عدم التنازل عنها، بينما لا تزال إسرائيل تحاول المناورة عبر قوائم جزئية.
وإذا ما نجح الوسطاء في انتزاع موافقة إسرائيلية على إدراج جزء من "الستة الكبار" على الأقل، فإن الصفقة قد تُنهي واحدة من أعقد جولات الحرب والتفاوض بين الجانبين، وتفتح الباب أمام مرحلة سياسية جديدة في ملف الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي.




