قبيل قمة ألاسكا: لماذا يثير بوتين ملف معاهدة نووية جديدة مع واشنطن؟
يسعى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، قبيل قمة مرتقبة مع نظيره الأمريكي دونالد ترامب في ألاسكا، إلى تحويل الاتجاه من الحرب إلى السلام. أعلن خلال كلمة أن روسيا والولايات المتحدة قد تتوصلان إلى اتفاق نووي جديد، رغم أن الاجتماع يُفترض أن يركز على الأزمة الأوكرانية
يبدو أن بوتين يسعى لتوسيع نطاق القمة إلى ملفات شاملة، يحوّل من خلالها الصورة النمطية عن روسيا من دولة معتدية إلى طرف يسعى لتحقيق "السلام العالمي"، مستغلًا نفوذه في ملف لا تزال موسكو تمتلك فيه ورقة ضغط ضخمة: الترسانة النووية.

ترسانة تُبقي روسيا نِدًّا رغم الحرب
منذ بدء الحرب في أوكرانيا، لم يتوقف بوتين عن التلويح بورقة السلاح النووي. أحيانًا عبر تهديدات مباشرة، وأحيانًا ضمن رسائل غامضة، أو عبر مناورات عسكرية. وبالرغم من أن الاقتصاد الروسي بات أضعف من نظيره الأمريكي بعشرات المرات، فإن تفوق موسكو في عدد الرؤوس النووية لا يزال يمنحها مكانة عالمية مؤثرة.
بحسب تقديرات الخبراء، تمتلك روسيا أكثر من 5,000 رأس نووي، منها قرابة 1,700 منتشرة فعليًا، بينما تمتلك الولايات المتحدة حوالي 3,700 رأس. وهو فارق يتيح لموسكو أن تبقى لاعبًا مكافئًا في المفاوضات المتعلقة بالأمن الدولي.
"نيو ستارت": المعاهدة التي تترنّح
الاتفاق الوحيد القائم حاليًا بين القوتين النوويتين هو معاهدة "نيو ستارت"، التي وُقعت عام 2010، وتنص على ألا يتجاوز عدد الرؤوس النووية الاستراتيجية المنشورة لكل طرف 1,550 رأسًا، مع قيود على الصواريخ وقاذفات القنابل بعيدة المدى.
المعاهدة دخلت حيز التنفيذ عام 2011، وتم تمديدها في 2021 لخمس سنوات إضافية، إلا أن موسكو علّقت مشاركتها الرسمية فيها عام 2023، ردًا على دعم الغرب لكييف. ومع ذلك، أعلنت التزامها "الطوعي" ببعض قيودها التقنية. وتنتهي صلاحية المعاهدة في فبراير 2026، ما يثير مخاوف من سباق تسلح جديد إذا لم يتم تجديدها أو استبدالها.

بوتين يقدّم نفسه كرجل "السلام النووي"
تصريحات بوتين بشأن المعاهدة الجديدة ليست فقط محاولة لتخفيف العزلة، بل تحمل بُعدًا تكتيكيًا مدروسًا. فهو يعلم أن تقديم نفسه كشريك راغب في ضبط التسلح قد يعيد فتح قنوات الحوار مع واشنطن، ويضعف موقف المتشددين في الغرب الذين يدفعون لفرض عقوبات إضافية على موسكو.
كما أن التفاوض بشأن الملف النووي يمنحه ورقة مهمة داخل القمة، تتيح له أن يطلب تنازلات في ملفات أخرى، من بينها رفع بعض القيود الاقتصادية، أو حتى إعادة النظر في العقوبات المرتبطة بالطاقة.
ترامب بدوره يستثمر الملف
على الجانب الآخر، يريد ترامب أن يدخل القمة بإنجاز دبلوماسي كبير يُضاف إلى سجله. إعلان نية إحياء اتفاق نووي قد يساعده سياسيًا، خصوصًا في ظل الانتقادات الموجهة له بأنه "لين" مع بوتين. وفي حال التوصل إلى تفاهمات أولية، فسيكون ذلك ورقة ذهبية في حملته الانتخابية المقبلة.
وكان ترامب قد صرح مؤخرًا بأنه لا يريد انتهاء معاهدة "نيو ستارت" دون بديل، واصفًا رفع القيود النووية بأنه "كارثة محتملة للعالم".
خلف الكواليس: توترات وصواريخ وانسحابات
بعيدًا عن التصريحات الدبلوماسية، لا تزال الملفات العالقة كثيرة. أبرزها الاتهامات المتبادلة بشأن الصواريخ متوسطة المدى، بعد انسحاب واشنطن من معاهدة الصواريخ النووية متوسطة المدى عام 2019، وبدء سباق جديد لتطوير أنظمة تسليح جديدة.
وتخطط واشنطن لنشر صواريخ تقليدية متطورة في أوروبا بحلول 2026، تشمل "توماهوك" و"إس إم-6"، وهي صواريخ يمكن نظريًا أن تحمل رؤوسًا نووية. من جهتها، أعلنت موسكو أنها لم تعد ملتزمة بأي قيود في هذا المجال، ما يرفع منسوب القلق من عودة سباق تسلح خطير.

القمة: فرصة نادرة أم لحظة رمزية؟
رغم الضجيج الدبلوماسي، يبقى من غير المؤكد إن كانت القمة ستُفضي إلى اتفاق فعلي، أم ستُستخدم فقط كمنصة سياسية لكلا الطرفين. فملف أوكرانيا لا يزال يطغى على كل شيء، وهناك انقسام حاد في الرؤى حول مستقبلها.
لكن الملف النووي، على خطورته، قد يكون نقطة التقاء مؤقتة. وإذا تم التوافق على تمديد "نيو ستارت" أو وضع إطار لمعاهدة بديلة، فقد يكون ذلك أول اختراق دبلوماسي حقيقي منذ سنوات.
التفاوض… لا يعني نهاية الخطر
في المحصلة، لا تعني تصريحات بوتين عن "السلام النووي" أن العالم بات أكثر أمانًا. بل ربما العكس، فهي اعتراف ضمني بأننا أمام مرحلة دقيقة، تُعاد فيها صياغة موازين القوة بأسلحة قادرة على تدمير البشرية.
وإذا لم يتحرك الطرفان بسرعة لاحتواء التوتر، فإن 2026 قد يكون العام الذي تدخل فيه البشرية عهدًا نوويًا جديدًا… بدون قواعد.



