نجلاء نادر تكتب.. اضطراب نزع الشعر: الألم الصامت خلف خصلات مفقودة
اضطراب نزع الشعر هو أحد الاضطرابات النفسية التي قد تمر دون أن ينتبه إليها المحيطون، وربما دون أن يعترف بها الشخص المصاب نفسه في البداية. يبدأ الأمر بشكل بسيط، عادةً من رغبة في إزالة شعرة مزعجة من الحاجب أو الرأس أو الرموش، لكن مع الوقت يتحول هذا الفعل العابر إلى عادة قهرية لا يمكن مقاومتها.
سلوك نزع الشعر
يجد الشخص نفسه يكرر سلوك نزع الشعر في أوقات التوتر، أو أثناء التفكير، أو حتى في أوقات الراحة والهدوء، وكأنه فقد السيطرة على يديه. يترافق هذا السلوك غالبًا مع شعور داخلي بالقلق أو التوتر، ثم شعور ملح بالرغبة في النزع، وعند تنفيذ الفعل، يشعر المصاب بلحظة من الارتياح أو التفريغ العاطفي، إلا أن هذا الشعور لا يدوم، وسرعان ما يليه شعور قوي بالذنب والخجل وربما الإحباط من الذات.
يزداد الأمر صعوبة عندما يبدأ تساقط الشعر في الظهور بشكل واضح، فيبدأ المصاب في إخفاء الآثار باستخدام القبعات أو مستحضرات التجميل أو الامتناع عن المناسبات الاجتماعية أو حتى النظر إلى نفسه في المرآة. هذا الاضطراب لا يتعلق بالشكل أو النظافة كما يظن البعض، بل يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالجوانب النفسية والعاطفية التي يعيشها الشخص، والتي قد لا يُفصح عنها بسهولة.

أسباب اضطراب نتف الشعر
الأسباب النفسية وراء اضطراب نزع الشعر ليست واحدة ولا واضحة دائمًا، لكنها تتراوح بين الضغوط اليومية، والقلق المزمن، والصدمات النفسية، أو التوتر الشديد الذي لا يجد الشخص وسيلة أخرى لتفريغه.
في بعض الحالات، يكون المصاب قد تعرض في طفولته لمواقف مؤلمة أو بيئة أسرية غير مستقرة، مما جعله يطور هذا السلوك كوسيلة دفاعية أو وسيلة للسيطرة على مشاعر يصعب التعبير عنها. وهناك من يُصاب به نتيجة للفراغ العاطفي، أو الإحساس بالعجز أو التوتر المستمر، كما أن بعض الدراسات ربطت اضطراب نزع الشعر باضطرابات أخرى مثل الوسواس القهري واضطراب القلق العام.
السلوك هنا ليس مجرد عادة أو ضعف إرادة كما يعتقد البعض، بل هو اضطراب معترف به طبيًا ويحتاج إلى تدخل نفسي متخصص. ما يزيد من صعوبة الأمر هو نظرة المجتمع لهذا النوع من الاضطرابات، إذ غالبًا ما يُساء فهم المصاب، ويُتهم بالمبالغة أو يُطلب منه "الكف عن هذا التصرف"، وكأن الأمر بهذه البساطة.
الحقيقة أن المصاب يشعر بالعجز أمام هذا السلوك، بل ويحاول مرات عديدة التوقف، ويفشل، مما يضيف إلى معاناته عبئًا نفسيًا جديدًا. التعامل مع اضطراب نتف الشعر يتطلب بدايةً وعيًا بأن ما يحدث هو اضطراب حقيقي يحتاج إلى علاج، وليس مجرد سلوك سيئ يمكن التخلص منه بالإرادة فقط. العلاج يبدأ عادة بالتشخيص النفسي الدقيق، وغالبًا ما يكون العلاج المعرفي السلوكي هو الخطوة الأولى، حيث يتم تدريب الشخص على فهم المشاعر والأفكار التي تسبق فعل النتف، وتعلم كيفية التعامل معها دون اللجوء لهذا السلوك.
تقنيات "عكس العادة"
كذلك، يُستخدم ما يُعرف بتقنيات "عكس العادة"، وهي استراتيجيات عملية تساعد المصاب على استبدال السلوك القهري بسلوك آخر غير ضار، مثل الإمساك بكرة مطاطية أو الضغط على الأصابع، إلى جانب تمارين التنفس العميق أو التأمل لتهدئة الجهاز العصبي.
في بعض الحالات، قد يُوصى باستخدام أدوية مضادة للاكتئاب أو القلق، خاصة إذا كان اضطراب نزع الشعر مرتبطًا باضطرابات أخرى مصاحبة، ولكن لا يُستخدم الدواء كعلاج وحيد، بل ضمن خطة علاجية شاملة وتحت إشراف طبي متخصص.
الدعم الأسري والاجتماعي يُعد حجر الأساس في رحلة العلاج، فالمصاب يحتاج إلى بيئة خالية من الانتقاد أو السخرية، بيئة يشعر فيها بالأمان الكافي لكي يتحدث عن مشكلته دون خوف أو خجل. يحتاج إلى من يفهم أن هذا السلوك ليس خيارًا، بل هو نتيجة ألم نفسي دفين، ربما لا يملك الكلمات لوصفه. لذلك، فإن أهم ما يمكن أن نقدمه لمن يعاني من هذا الاضطراب هو الفهم، والاحتواء، والتشجيع على اللجوء إلى العلاج دون وصم أو إدانة.
إن اضطراب نزع الشعر يترك أثره ليس فقط على الشكل الخارجي، بل على احترام الشخص لذاته وثقته بنفسه وعلاقاته الاجتماعية. ولكنه في الوقت نفسه من الاضطرابات التي يمكن التعامل معها بنجاح إذا تم اكتشافها مبكرًا، وتوفير الدعم والعلاج المناسب. قد لا يكون الطريق سهلاً، لكنه ممكن. وكل خطوة في اتجاه الفهم والوعي، هي خطوة نحو التعافي.

