رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

نجلاء نادر تكتب.. حين يُصبح الحضن خطرًا

نجلاء نادر
نجلاء نادر

في لحظة قد تُشبه العاصفة، يتحول الأمان إلى رعب، وتتحول اليد التي من المفترض أن تحمي، إلى أداة تنهي حياة طفل بريء.

 لا شيء يبدو منطقيًا حين نسمع عن أب أو أم يقتل طفله بدم بارد، أو حتى وسط نوبة بكاء. لكن خلف هذه الجرائم الصادمة، هناك أعماق نفسية واجتماعية معقدة تستحق الفهم لا التبرير.

في بعض الحالات، تكون الضغوط النفسية أشبه بثقل لا يُحتمل. بعض الأمهات مثلًا، يعانين من اكتئاب ما بعد الولادة، وهو اضطراب قد يبدو بسيطًا في شكله الخارجي، لكنه قد يدفع الأم إلى تصديق أن قتل الطفل هو إنقاذ له من حياة مؤلمة، أو أنه سيذهب إلى "مكان أفضل". وتصبح هذه الفكرة هي الحقيقة الوحيدة في عقل مضطرب.

وفي حالات أخرى، يُصاب الأب أو الأم بما يُعرف بالـ ذهان، وهو اضطراب نفسي يجعل الإنسان يرى أو يسمع أشياء غير موجودة. قد يسمع صوتًا يأمره بقتل ابنه، أو يظن أن الطفل "شيطان" أو "ليس حقيقيًا". هنا لا يكون الدافع كرهًا، بل فقدانًا تامًا للتماس مع الواقع.

لكن ليست الاضطرابات النفسية وحدها من تقود إلى هذا الفعل، فالمجتمع بدوره قد يدفع في هذا الاتجاه، ولو دون قصد. في بعض البيئات الفقيرة جدًا، يكون العجز عن الإنفاق على الأبناء سببًا يجعل الأب يرى القتل "رحمة". وفي مجتمعات أخرى، حيث تُربط الشرف بالعقاب الجسدي، قد تُقتل الطفلة لمجرد أن الأم أنجبتها خارج إطار الزواج.

ولا يمكن أن نغفل دور التفكك الأسري والنزاعات الزوجية. في بعض المآسي، يُستخدم الطفل كورقة انتقام. أب يقتل أبناءه لأنه لا يستطيع رؤية الأم سعيدة، أو أم تقتل طفلها لأن المحكمة ستعطيه لحضانة الأب. وهكذا تُصبح مشاعر الغضب والانتقام أقوى من غريزة الأمومة أو الأبوة.

ثم هناك الجانب الذي قد يبدو أكثر ظلمًا: الإسقاط النفسي. أحيانًا لا يكون الطفل هو الهدف الحقيقي، بل هو مجرد مرآة لغضب داخلي دفين. شخص تعرض للإهانة في طفولته، أو عانى من الحرمان، قد يُفرغ كل قهره في طفله دون وعي، حتى لو كان يحبّه.

أما عن الحالات النادرة التي يُقتل فيها الطفل بدافع "ديني" أو "فلسفي" مشوّه، فهي تعكس تشوهًا عميقًا في الإدراك والفهم، حيث يرى القاتل أن الطفل يجب أن يُضحى به لأسباب "أسمى" في ذهنه المريض.

إن ما يجعل هذه الجرائم مفجعة ليس فقط الفعل نفسه، بل أن مرتكبه هو آخر شخص نتوقع أن يؤذي الطفل. لكن الحقيقة أن المرض النفسي، والضغوط الاجتماعية، والجهل، وانعدام الدعم، كلها عوامل قد تحوّل الحضن الآمن إلى كارثة.

لذلك، حين نسمع عن جريمة كهذه، لا يكفي أن نقول "هذا وحش"، بل علينا أن نسأل: من ترك هذا الأب أو هذه الأم وحيدًا؟ أين كانت العائلة؟ أين كان المجتمع؟ أين كان الدعم النفسي؟ الفهم هو بداية الحل.

ولأن السؤال الذي يصرخ في وجهنا بعد كل مأساة هو: "كيف يمكن أن نمنع هذا؟"، تأتي الإجابة ليس من شعورنا بالغضب، بل من وعينا بأن الحماية تبدأ قبل وقوع الخطر. لا أحد يولد قاتلًا، ولكن غياب الفهم، وانقطاع الدعم، وانطفاء الأمل، قد يحول الإنسان إلى وحش لا يعرف نفسه.

ربما لو كانت هناك ثقافة مجتمعية تتحدث عن الصحة النفسية كأمر طبيعي، لَما خافت أم تعاني من اكتئاب بعد الولادة أن تطلب المساعدة. ربما لو لم يكن الذهاب لطبيب نفسي في مجتمعاتنا "وصمة" أو "عارًا"، لوجد الأب طريقًا للنجاة من أفكاره السوداء بدلًا من أن يُسلم لها زمام عقله.

وربما لو كان هناك دخل ثابت، أو دعم اجتماعي بسيط، لَما شعر أب بالعجز لدرجة أنه يرى قتل أطفاله نوعًا من "الرحمة". فالفقر لا يبرر القتل، لكنه أحيانًا يخلق في النفس شعورًا قاسيًا بالعجز، لا يفهمه إلا من ذاقه.

ثم هناك الأسر التي تنكسر بصمت. خلافات، طلاق، عنف… وتتحول هذه الجراح الصامتة إلى بركان. لو وُجدت مراكز حقيقية تُعالج المشاكل الأسرية، وتساعد الناس على التعبير دون خوف، ربما كنا وفرنا على طفل مصيرًا لم يختَرْه.

والمجتمع من حولهم؟ لا بد أن نعلّم الجميع كيف يلاحظ العلامات. الطفل الذي يظهر عليه الخوف المستمر، الأم المنعزلة بشكل مفرط، الأب الذي يردد عبارات سوداوية… هذه إشارات ليست للسكوت. الجيران، المعلمون، الأهل… يمكنهم أن يكونوا جدار أمان لو تعلموا كيف يستجيبون للقلق لا بالسكوت، بل بالسؤال والمساعدة.

نحتاج أن نُعيد تعريف علاقتنا بأطفالنا. ليسوا ملكية خاصة، ولا امتدادًا لخيباتنا، ولا ضحية لصراعاتنا. هم أمانة، وإذا اختلّت كفة عقلنا أو تكسرت ظهورنا تحت ضغط الحياة، فلا نجرّهم معنا إلى الظلام، بل نبحث عن الضوء – من طبيب، من صديق، من دعم، من كلمة صادقة.

ربما لن نستطيع منع كل جريمة، لكننا نستطيع أن نمنع كثيرًا منها إذا بدأنا بالفهم بدلًا من الاتهام، وبالاحتواء بدلًا من العزل، وبالمساعدة قبل أن تصل الأمور إلى الندم.

تم نسخ الرابط