رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

نجلاء نادر تكتب.. قناع النجاح الزائف: في عقول الغشاشين

نجلاء نادر
نجلاء نادر

منذ اللحظة التي يبدأ فيها الطفل في التفاعل مع محيطه، تبدأ تتشكل لديه مفاهيم عن الصواب والخطأ، النجاح والفشل، الجهد والتحايل. في هذا السياق، يظهر سلوك الغش، أحيانًا في صورة خفيفة تبدو بريئة مثل النظر في ورقة زميله أو تكرار جملة من شرح المعلم دون فهم، لكنه مع الوقت قد يتحول إلى عادة تُلازم الشخص وتتحكم في مواقفه وخياراته.

الغش في البداية لا يكون بدافع الشر، بل نتيجة خوف. الخوف من العقاب، من الرسوب، من أن يبدو أقل من أقرانه، وربما يتعزز هذا السلوك عندما يجد الطفل أن الكبار أنفسهم يفعلونه: "الأب يتهرب من دفع فاتورة، أو المعلمة تتجاهل خطأ طالما أن النتيجة جيدة. هنا، يتعلم الطفل أول درس خاطئ في الحياة: المهم "الشكل"، وليس الحقيقة.

ويكبر الطفل، فينتقل الغش معه إلى مراحل جديدة، في سن المراهقة، يصبح الغش أكثر تعقيدًا، وقد يرتبط بالمكانة الاجتماعية، أو بالحفاظ على صورة معينة أمام الآخرين. يبدأ الشاب أو الفتاة في استخدام الغش كأداة للتفوق الظاهري، أو للالتفاف على المعايير، أو حتى لإثبات الذات. وفي هذه المرحلة، تظهر تبريرات كثيرة: "كل الناس بتغش"، "المهم النتيجة"، "المجتهد ما بياخدش حقه"، وهكذا.

 

ومع الوقت، تتغير أدوات الغش، لكنها تبقى حاضرة. في الدراسة، في العمل، في العلاقات، في التجارة. البعض يغش في إنجاز العمل، والبعض في تقديم الذات، وآخرون في المشاعر، والغش هنا لم يعد تصرفًا اضطراريًا، بل أصبح سلوكًا مكتسبًا، وطريقة تفكير. يتحول الشخص إلى ما يمكن تسميته "الغشاش المزمن"، الذي لا يثق أن بإمكانه النجاح دون تزييف أو تحايل.

شخصية الغشاش ليست بالضرورة شريرة، لكنها تحمل تركيبة معقدة. هو شخص لا يثق بنفسه تمامًا، يشعر في أعماقه أنه غير كافٍ، ويخاف من الفشل بشدة؛ ولذلك يلجأ إلى طرق ملتوية لتجنب المواجهة، ويحاول أن يخلق صورة مثالية عن نفسه حتى لو كانت زائفة يبرر أفعاله دومًا، ويقنع نفسه بأنه مضطر، أو بأنه يفعل مثل الآخرين.

ما يزيد من ترسيخ هذا السلوك هو غياب التربية السليمة التي تزرع في الطفل قيمة الصدق، وحب الجهد، والرضا عن النفس. فإذا نشأ في بيت يكافئه على الدرجة لا على الأمانة، أو في مجتمع لا يُعاقب المخطئ بل يحتفي بالنتيجة فقط، فمن الطبيعي أن يختار الطريق الأسهل، وهو الغش.

والمؤلم في الأمر أن الغش لا يتوقف مع التقدم في السن، بل أحيانًا يترسخ أكثر. هناك من يغش حتى في علاقته مع نفسه، يعيش وهمًا أنه صادق أو مجتهد أو مظلوم، بينما الحقيقة أنه اختار الطريق الأقصر على حساب القيم. وقد يستمر هذا حتى الشيخوخة، ويظل الشخص يدور في دائرة من التبرير والخداع دون أن يواجه نفسه بالحقيقة.

لكن، على الجانب الآخر، يمكن إيقاف هذا المسار. من يتأمل نفسه بصدق، ويعترف بأخطائه، يمكنه أن يبدأ رحلة تصحيح. الغش لا يدل فقط على قلة ضمير، بل أيضًا على قلة ثقة، وضعف في المهارات الحياتية. الشخص الصادق قد يتعثر، لكنه مرتاح الضمير. أما الغشاش، فيظل خائفًا، مترددًا، وغير قادر على أن يشعر بالرضا الحقيقي.

في النهاية، لا يُقاس النجاح الحقيقي بما نملكه من شهادات أو مناصب أو أموال، بل بما نملك من صدق مع أنفسنا والآخرين. ومن يعتاد الغش في صغره، ثم لا يصحح المسار، قد يجد نفسه في نهاية العمر يمتلك كل شيء… إلا احترامه لنفسه.

تم نسخ الرابط