نجلاء نادر تكتب.. حين يتحول الشك إلى ضيف دائم في البيت
في زمن أصبحت فيه الهواتف الذكية امتدادًا لحياة الإنسان الخاصة، دخل الشك إلى بيوت كثيرة دون استئذان. لم يعد الشك مجرّد شعور عابر يمر في لحظة غضب أو قلق، بل أصبح سلوكًا متكرّرًا يتجلى في تصرفات مثل تفتيش الهاتف، مراجعة الرسائل، متابعة آخر ظهور، بل وأحيانًا التجسس الكامل على الطرف الآخر باسم "الحق في المعرفة".
اللافت في هذا السلوك أنه لا ينبع دائمًا من دلائل حقيقية على الخيانة، بل كثيرًا ما يكون نتيجة تراكمات نفسية واجتماعية دفينة. أحيانًا يبدأ الشك من لحظة عدم وضوح أو من تصرف عابر لا يُفسَّر بوضوح. ثم يأتي العقل البشري، المليء بالمخاوف والمقارنات والذكريات القديمة، ليضيف لهذا التصرف مئة تفسير، كلها تدور في فلك الخيانة أو الكذب أو الإخفاء.
ومن ناحية أخرى، المجتمع نفسه له دور كبير. نحن نعيش في بيئة تشجّع على الغيرة باعتبارها دليل حب، وتبرّر مراقبة الزوج أو الزوجة بأنها "حق مكتسب"، بل وتحذّر الإنسان الطيب من الثقة الزائدة قائلة: "ما فيش أمان، اللي يركن على الناس يبقى عايش مغفّل."
كلمة ثقيلة، تتردد كثيرًا حين يختار أحد الطرفين أن يُحسن الظن، أو يرفض تفتيش هاتف شريكه، أو لا يريد أن يعيش في دوامة الشك. تُقال له بتهكّم: "إنت طيب زيادة عن اللزوم… إنت مش واخد بالك… إنت عايش مغفّل!"
لكن الحقيقة أن من يختار أن يعيش بثقة وهدوء ليس مغفّلًا، بل هو شخص يُقدّر العلاقة، ويحترم ذاته قبل أن يحترم الطرف الآخر. الطيبة مش ضعف، والثقة مش سذاجة. المغفّل الحقيقي هو من يظن أن السيطرة والشك والتجسس هي الذكاء.
ومن الردود التي تليق بهذا النوع من الاتهام:
"أنا باختار أعيش بنيّة صافية، مش بغباء… والغُفلان الحقيقي هو اللي فاكر إن الخداع ذكاء."
أو:
"مش معنى إني مش بشك أو مش بتجسس إني مغفلة… أنا بس باختار أعيش براحة بال، واللي بيعيش يشك في كل حاجة عمره ما هيرتاح."
الشخص الواعي يدرك أن الثقة قرار، وأن من يسيء استخدام هذه الثقة هو الذي يسقط أخلاقيًا، لا من وثق به. والشريعة الإسلامية تؤكد ذلك حين نهت عن التجسس، بل وتعتبر الظن السيئ معصية.
قال تعالى:
> "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا" (سورة الحجرات: 12)
لكن الأثر لا يقف فقط عند حدود العلاقة، بل يمتد إلى الصحة النفسية للأطراف. حين يعيش الإنسان في قلق دائم، ويشعر أنه تحت المراقبة المستمرة، يبدأ الشعور بالضغط العصبي والتوتر المزمن. تتحول العلاقة من ملاذ آمن إلى مصدر تهديد. والزوج أو الزوجة الذين يُفتّش في هواتفهم باستمرار، يشعرون بعدم الأمان، ويبدؤون في الانسحاب العاطفي تدريجيًا. أما من يمارس التجسس، فيتحول إلى شخص يعيش في دوامة من الهوس والترقّب، لا يهدأ له بال، ولا يستطيع الاستمتاع بحياته، حتى لو لم يجد ما يثير الريبة.
وتكون النتيجة الحتمية أن شكل العلاقة نفسها يتشوّه. فبدلًا من أن تكون مبنية على الاحترام والحوار، تصبح علاقة بوليسية، يختفي فيها الحب ويحل محله الاستجواب. العلاقة التي كانت تقوم على مشاركة التفاصيل، تصبح مليئة بالصمت والتكتم والحذر. الثقة، التي تُفقد مرة، لا تُستعاد بسهولة، حتى لو حاول الطرف الآخر الإصلاح.
وفي كثير من الحالات، يستمر الشك في التفاقم إلى أن يصل إلى نهايته المأساوية: خراب البيت.
قد تبدأ المسألة بتفتيش هاتف، وتنتهي بطلاق. ليس لأن هناك خيانة، بل لأن كثرة الشك قادرة وحدها أن تقتل الحب وتكسر النفس وتدفع الطرفين إلى نقطة اللاعودة.
وبالتالي، يصبح السؤال: هل كان الأمر يستحق؟
هل كان هذا البحث الدائم عن ما لا يُرى، يستحق أن نخسر من نحب؟
هل السيطرة والتجسس أهم من راحة البال والعِشرة الطيبة؟
في النهاية، لا توجد علاقة زوجية مثالية خالية من التوتر، لكن الفرق الجوهري بين علاقة ناضجة وأخرى منهارة، هو طريقة التعامل مع القلق. فإما أن نواجه الخوف بالحوار والتفاهم، أو نستسلم له ونتركه يدمّر الثقة بصمت. أما الشك، فإن تُرك دون وعي أو مواجهة، لن يكتفي بأن يفسد الحب، بل قد يهدم البيت من أساسه.


