قرار يتجاوز السياسة.. الرئيس السيسي يفتح أخطر ملفات العدالة الاجتماعية
في سياق يتجاوز حدود القرار الإداري التقليدي إلى فضاء أوسع من الرؤية الإنسانية للدولة، ترأس الرئيس عبد الفتاح السيسي اجتماعًا مهمًا خُصص لمناقشة وتطوير منظومة الحماية الاجتماعية في مصر، في لحظة تعكس إدراكًا متزايدًا بأن العدالة الاجتماعية لم تعد مجرد سياسة عامة، بل أصبحت فلسفة حكم تقوم على إعادة تعريف علاقة الدولة بالمجتمع، وبالأخص بالفئات الأكثر احتياجًا إلى الدعم والرعاية.
الحماية الاجتماعية
وقد جاء الاجتماع ليؤكد أن الدولة المصرية تتحرك في إطار تصور شامل لا يقتصر على تقديم المساعدات، بل يمتد إلى بناء منظومة متكاملة تعيد صياغة مفهوم الحماية الاجتماعية بوصفه شبكة أمان ممتدة، لا تتوقف عند حدود الدعم المالي، وإنما تشمل التعليم، والرعاية، والصحة النفسية، والتمكين الاقتصادي، باعتبار الإنسان هو نقطة البداية والنهاية في أي مشروع تنموي حقيقي.
وفي هذا السياق، وجّه الرئيس السيسي بإعداد برنامج موحد للحماية الاجتماعية يستهدف الفئات المستحقة للدعم، بحيث يتم تنظيم جهود الدولة في إطار مؤسسي أكثر كفاءة وشفافية، يضمن وصول الدعم إلى مستحقيه دون تشتت أو ازدواجية في السياسات.
ويعكس هذا التوجه فلسفة تقوم على تحويل الدعم من حالة استجابة ظرفية إلى نظام مستدام قائم على التخطيط الدقيق وإدارة الموارد بشكل أكثر عدالة.
الخدمات المقدمة للأطفال
كما شملت التوجيهات الرئاسية التوسع في إنشاء الحضانات ورفع جودة الخدمات المقدمة للأطفال، باعتبار الطفولة المبكرة هي البذرة الأولى لتشكيل الوعي الإنساني والاجتماعي، حيث لا يمكن بناء مستقبل متوازن دون الاستثمار في السنوات الأولى من عمر الإنسان.
وفي هذا الإطار، تم التأكيد على أهمية وضع خريطة تنموية متكاملة لقطاع الحضانات في مصر، بما يضمن توزيعًا عادلًا للخدمات وتطويرًا لمعايير الجودة وفق أحدث النظم العالمية.
ومن بين المحاور الجوهرية التي تناولها الاجتماع، استمرار متابعة برنامج “تكافل وكرامة”، الذي يمثل أحد الأعمدة الأساسية للحماية الاجتماعية في الدولة المصرية، حيث يستفيد منه نحو 4.7 مليون أسرة.
ويعكس هذا الرقم ليس فقط حجم البرنامج، بل حجم المسؤولية التي تتحملها الدولة في موازنة بين الدعم الفوري وتحقيق الاستدامة الاقتصادية للأسر الأولى بالرعاية.
تعزيز التمكين الاقتصادي
ولم تتوقف الرؤية عند حدود الدعم النقدي، بل امتدت إلى تعزيز التمكين الاقتصادي للأسر الأكثر احتياجًا، في محاولة لتحويل الفئات المستفيدة من الدعم إلى عناصر فاعلة داخل الاقتصاد الوطني، قادرة على الإنتاج والمشاركة بدلًا من الاعتماد الدائم على المساعدات. وهنا تتجلى الفلسفة الأعمق للمنظومة، وهي الانتقال من الرعاية إلى التمكين، ومن الإعالة إلى الاستقلال الاقتصادي.
كما وجّه الرئيس باستحداث مراكز للدعم النفسي والاجتماعي للأطفال وفق المعايير العالمية، في خطوة تعكس وعيًا متقدمًا بأن بناء الإنسان لا يقتصر على احتياجاته المادية فقط، بل يمتد إلى توازنه النفسي والاجتماعي، باعتباره أساس الاستقرار المجتمعي. وفي السياق ذاته، تم التأكيد على التوسع في إنشاء دور رعاية المسنين، بما يعكس احترام الدولة لفلسفة الوفاء الإنساني تجاه من قدموا سنوات عمرهم في خدمة المجتمع.
برامج الحماية الاجتماعية
كما تقرر إعداد تقرير سنوي شامل لقياس الأثر الاجتماعي والاقتصادي لبرامج الحماية الاجتماعية، بما يضمن تقييمًا مستمرًا للسياسات العامة، ويدعم اتخاذ القرار المبني على البيانات والتحليل العلمي، وليس على الانطباعات أو المعالجات المؤقتة.
إن هذا الاجتماع، بما حمله من توجيهات ورؤى، لا يمكن قراءته باعتباره حدثًا إداريًا عابرًا، بل هو تعبير عن تحول أعمق في فلسفة الدولة المصرية تجاه مفهوم العدالة الاجتماعية، حيث تصبح الحماية الاجتماعية ليست مجرد مظلة، بل مشروعًا لبناء إنسان قادر على الحياة بكرامة، داخل مجتمع أكثر توازنًا وإنصافًا.
