ما الذي يتشكل في قلب القاهرة القديمة؟ مشروع يغيّر ملامح التاريخ
في قلب القاهرة التاريخية، حيث تتجاور طبقات الزمن وتتعانق شواهد الحضارات المتعاقبة، يتشكل مشروع «حدائق تلال الفسطاط» بوصفه أكثر من مجرد حديقة عامة أو متنزه حضاري.

إنه مشروع يحمل في جوهره فلسفة جديدة للتنمية العمرانية في مصر، تقوم على إعادة اكتشاف التاريخ وتوظيفه في صناعة المستقبل، وتحويل المناطق التي عانت لعقود طويلة من التهميش والتدهور إلى مراكز جذب ثقافي وسياحي واقتصادي تعيد رسم ملامح المدينة وتمنح سكانها جودة حياة أكثر استدامة.

رئيس مجلس الوزراء
وخلال الجولة الميدانية التي أجراها الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، لتفقد معدلات الإنجاز بالمشروع، برزت ملامح رؤية الدولة المصرية تجاه التنمية الشاملة، وهي رؤية لا تكتفي بإنشاء الطرق والمباني والمرافق، بل تمتد إلى إعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والمكان، وبين التراث والتنمية، وبين الذاكرة التاريخية ومتطلبات العصر الحديث.
الفسطاط مشروع حضاري عالمي
تكتسب منطقة الفسطاط أهمية استثنائية في التاريخ المصري، إذ كانت أول عاصمة إسلامية لمصر بعد الفتح الإسلامي، وشهدت عبر قرون طويلة تحولات سياسية وثقافية وعمرانية جعلتها أحد أهم المواقع التاريخية في المنطقة العربية.

غير أن هذه المنطقة، التي كانت يومًا مركزًا للحياة السياسية والاقتصادية، تعرضت على مدار عقود لمظاهر عديدة من التدهور البيئي والعمراني، ما أدى إلى تراجع مكانتها الحضارية رغم ما تمتلكه من قيمة تاريخية فريدة.
حدائق تلال الفسطاط
ومن هنا جاءت فكرة مشروع «حدائق تلال الفسطاط» باعتباره أحد أكبر المشروعات التنموية التي تنفذها الدولة المصرية في إطار استراتيجية إعادة إحياء القاهرة التاريخية، حيث يسعى المشروع إلى استعادة الروح المفقودة للمكان، وتحويله إلى وجهة ثقافية وسياحية وترفيهية عالمية.

فلسفة التنمية الجديدة
عندما نتأمل مشروع تلال الفسطاط، نجد أنه يعكس تحولًا مهمًا في فلسفة التنمية المصرية خلال السنوات الأخيرة. فالدولة لم تعد تنظر إلى التنمية باعتبارها مجرد أرقام أو مشروعات إنشائية، بل باعتبارها عملية متكاملة تهدف إلى تحسين حياة الإنسان وتعزيز انتمائه للمكان الذي يعيش فيه.
وفي هذا السياق، أكد رئيس الوزراء أن المشروع يجسد رؤية الدولة في إعادة إحياء المناطق ذات القيمة التاريخية والثقافية، وتحويلها إلى مناطق نابضة بالحياة تساهم في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وتتجلى هذه الرؤية في تحويل منطقة كانت تعاني من تراكم المخلفات والتشوهات البيئية إلى مساحة خضراء ضخمة تمثل متنفسًا حضاريًا لسكان القاهرة، وتعيد للمنطقة مكانتها التاريخية باعتبارها أحد أهم رموز الهوية المصرية.
أكبر حديقة بالشرق الأوسط
وفقًا لما عرضته المهندسة راندة المنشاوي، وزيرة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، فإن مشروع «حدائق تلال الفسطاط» يُعد من أكبر الحدائق التي يتم تنفيذها في منطقة الشرق الأوسط، حيث يمتد على مساحة تقترب من 500 فدان بمنطقة مصر القديمة.

ولا تقتصر أهمية المشروع على حجمه الكبير فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى طبيعة مكوناته المتنوعة التي تجمع بين الجوانب البيئية والترفيهية والثقافية والاستثمارية والسياحية في إطار متكامل.
فالحديقة لا تمثل مجرد مساحة خضراء، بل مشروعًا حضاريًا شاملاً يهدف إلى إعادة تشكيل المشهد العمراني للمنطقة بأكملها، وتعزيز جاذبيتها كوجهة محلية ودولية.

اقتصاد يصنعه التراث
ومن أبرز مكونات المشروع المنطقة الاستثمارية التي تقام على مساحة 131 ألف متر مربع، وتطل مباشرة على بحيرة عين الحياة، إحدى العلامات المميزة للمشروع.
وتضم المنطقة مجموعة متنوعة من المطاعم والمراكز التجارية والجراجات الحديثة، إضافة إلى منطقة مخصصة للفعاليات الكبرى تشمل المسرح الروماني والنافورة الراقصة وعددًا من عناصر تنسيق الموقع التي تمنح المكان طابعًا سياحيًا متفردًا.
وتعكس هذه المنطقة فلسفة اقتصادية مهمة تقوم على تحويل القيمة التراثية للمكان إلى فرص استثمارية قادرة على خلق الوظائف وتحفيز النشاط الاقتصادي دون الإخلال بالطابع التاريخي للمنطقة.

الثقافة كأداة للتنمية
وفي مواجهة البوابة الرئيسية للمشروع تمتد المنطقة الثقافية، التي ترتبط مباشرة بالمتحف القومي للحضارة المصرية، لتؤكد أن الثقافة أصبحت عنصرًا أساسيًا في خطط التنمية الحديثة.
وتضم المنطقة ساحات مفتوحة للأنشطة الفنية والثقافية، ومجموعة من المطاعم والكافتيريات المصممة بطراز مستوحى من فن الأرابيسك الإسلامي، فضلًا عن النوافير والمساحات المفتوحة التي تتيح استضافة الفعاليات على مدار العام.
وهنا تتجسد فكرة أن التنمية الحقيقية لا تقتصر على البنية التحتية، بل تشمل أيضًا بناء الوعي وتعزيز التفاعل الثقافي وإحياء الهوية الوطنية.
إحياء التاريخ لا دفنه
وربما تمثل المنطقة التراثية والحفائر الأثرية جوهر المشروع الفلسفي والرمزي. فبدلًا من التعامل مع الآثار باعتبارها بقايا صامتة من الماضي، يسعى المشروع إلى دمجها في الحياة اليومية وتحويلها إلى عنصر حي داخل المشهد الحضاري.

وتشمل هذه المنطقة أعمال كشف وترميم واسعة لبقايا مدينة الفسطاط التاريخية، إلى جانب إنشاء ممرات ومناطق مشاهدة تتيح للزائرين استكشاف التاريخ عن قرب.
وتؤكد هذه الرؤية أن الأمم المتقدمة لا تهدم ذاكرتها، بل تستثمرها في بناء مستقبلها، وتجعل من التراث رافعة للتنمية لا عبئًا عليها.
الترفيه وجودة الحياة
ولأن التنمية المستدامة ترتبط بجودة الحياة، فقد أولى المشروع اهتمامًا كبيرًا بالأنشطة الترفيهية، من خلال منطقة المغامرة التي تضم ألعاب الأطفال والبحيرات والمسطحات الخضراء والخدمات المختلفة.
كما تتضمن منطقة التلال والوادي مجموعة من المرتفعات الطبيعية والمصاطب التي توفر إطلالات بانورامية على القاهرة التاريخية وصولًا إلى قلعة صلاح الدين الأيوبي، بما يمنح الزوار تجربة بصرية فريدة تجمع بين الطبيعة والتاريخ.

حماية الحرف التراثية
وتبرز منطقة الأسواق كواحدة من أهم الركائز الاقتصادية والاجتماعية للمشروع، حيث تمتد على مساحة 60 ألف متر مربع وتستهدف دعم الحرف التقليدية والصناعات التراثية مثل الزجاج والخزف والسيراميك والشمع والغزل والنسيج.
وتحمل هذه المنطقة بعدًا تنمويًا عميقًا، إذ لا تكتفي بالحفاظ على التراث الحرفي المصري، بل تخلق فرصًا جديدة للحرفيين وأصحاب المشروعات الصغيرة، وتدعم الاقتصاد المحلي من خلال ربط التراث بالسياحة والاستثمار.
نموذج لمصر الجديدة
في النهاية، لا يمكن النظر إلى «حدائق تلال الفسطاط» باعتباره مشروعًا منفردًا، بل هو جزء من رؤية أوسع تتبناها الدولة المصرية لإعادة تشكيل الخريطة العمرانية والثقافية للبلاد. إنه نموذج لفكرة التنمية التي تحترم التاريخ دون أن تتوقف عنده، وتستثمر التراث دون أن تحوله إلى متحف مغلق، وتمنح الإنسان مساحة أرحب للحياة والإبداع.

ومن هنا يصبح المشروع رمزًا لفلسفة مصر الجديدة؛ فلسفة ترى أن بناء المستقبل يبدأ أولًا بإعادة اكتشاف قيمة المكان، وأن المدن لا تُقاس فقط بما تحتويه من مبانٍ ومنشآت، بل بما تملكه من ذاكرة وهوية وقدرة على صناعة الأمل للأجيال القادمة.



