رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

أيمن عدلي يكتب: الحوار التليفزيوني ليس حلبة مصارعة

أيمن عدلي
أيمن عدلي

في السنوات الأخيرة، أصبح البعض يخلط بين الإعلام والاستعراض، وبين الحوار والمشاجرة، وبين الجرأة المهنية ومحاولة فرض الرأي بالقوة. 

وكأن نجاح المذيع أصبح يقاس بقدرته على مقاطعة ضيفه أو إحراجه أو انتزاع رد فعل غاضب منه، لا بقدرته على تقديم مادة إعلامية راقية تفيد المشاهد وتحترم عقله.

الحوار التليفزيوني ليس معركة يجب أن يخرج منها المذيع منتصرًا والضيف مهزومًا، وليس ساحة لاستعراض العضلات الإعلامية أو تصفية الحسابات أو صناعة الترند على حساب القيم المهنية. 

فالمشاهد لا يجلس أمام الشاشة ليرى من انتصر ومن انهزم، بل ليحصل على معلومة ورأي وتحليل يضيف إلى وعيه ومعرفته.

من المؤسف أن بعض مقدمي البرامج يعتقدون أن رفع الصوت دليل قوة، وأن المقاطعة المستمرة دليل سيطرة، وأن إحراج الضيف نوع من الاحتراف، بينما الحقيقة أن هذه الممارسات تعكس ضعفًا في إدارة الحوار أكثر مما تعكس قوة فيه.

المذيع المحترف لا يفرض رأيه على ضيفه، ولا يحوله إلى متهم داخل الاستوديو، ولا يوجه إليه أسئلة خارج نطاق تخصصه بقصد الإحراج أو الإثارة، بل يحترم خبرة ضيفه، ويترك له المساحة الكافية لعرض أفكاره، ويناقشه بموضوعية وذكاء، ويختلف معه بأدب إذا اقتضى الأمر.


لقد كان الإعلامي الأمريكي الراحل لاري كنج يؤكد دائمًا أن أهم مهارة يمتلكها المحاور الناجح هي الاستماع، كان يرى أن المذيع الذي يتحدث أكثر من ضيفه يفشل في مهمته الأساسية، وأن السؤال الجيد أهم من عشرات المداخلات والانفعالات.

وهذه مدرسة إعلامية حقيقية نفتقدها أحيانًا في زمن الضجيج والبحث عن المشاهد المثيرة.

وأقول لهؤلاء الذين يظنون أن الصخب يصنع إعلامًا: تعلموا من عظماء ماسبيرو الذين أسسوا مدرسة راقية في الحوار واحترام الضيف والمشاهد معًا. تعلموا كيف يكون الإنصات قبل الكلام، وكيف يُطرح السؤال في توقيته المناسب، وكيف تُدار الحلقة بعقل وثقافة وخبرة لا بانفعال واستعراض.

رحم الله الإعلاميين الكبار طارق حبيب وسمير صبري عبد الرحمن علي ومفيد فوزي وغيرهم من رموز ماسبيرو الذين أدركوا أن قيمة المذيع ليست في عدد الكلمات التي يقولها، بل في قدرته على استخراج أفضل ما لدى ضيفه. كانوا يعرفون متى يتحدثون ومتى يصمتون، متى يسألون ومتى يتركون الضيف يكمل فكرته، وكيف يختلفون باحترام دون أن يتحول الحوار إلى اشتباك.

لهذا بقيت أسماؤهم في ذاكرة المصريين والعرب، وبقيت حواراتهم نماذج تُدرّس في المهنية والاحترام، أما الضجيج فينتهي بانتهاء الحلقة، بينما يبقى الأثر الحقيقي لمن احترم المهنة واحترم الجمهور.

إن المذيع لا ينجح عندما يُفشل ضيفه، ولا يصبح نجمًا عندما يقطع عليه الحديث أو يحرجه أمام الناس. النجاح الحقيقي أن يخرج المشاهد مستفيدًا، وأن يخرج الضيف وقد عبّر عن رأيه بوضوح، وأن تخرج الحلقة نموذجًا للحوار الراقي.

الإعلام رسالة قبل أن يكون شهرة، ومسؤولية قبل أن يكون نفوذًا، والحوار فن وأخلاق قبل أن يكون كلامًا، وإذا فقد الإعلام هذه القيم، فقد أهم ما يميزه: احترام الناس وثقتهم.

فليتذكر الجميع أن الشاشة لا تحتاج إلى مزيد من الصراخ، بل إلى مزيد من الحكمة. ولا تحتاج إلى من يتحدث كثيرًا، بل إلى من يعرف متى يتحدث... ومتى ينصت؟

تم نسخ الرابط