اكتشاف نظام مائي غامض بقلعة صلاح الدين عمره 700 عام
في اكتشاف أثري جديد يسلط الضوء على جانب مهم من تاريخ القاهرة الإسلامي، أعلنت بعثة أثرية مصرية فرنسية عن الكشف عن نظام مائي متكامل ومعقد داخل محيط قلعة صلاح الدين الأيوبي، يعود إلى العصر المملوكي ويُقدَّر عمره بنحو 700 عام.
وجاء هذا الاكتشاف خلال أعمال حفائر علمية أُجريت في منطقتي “عرب اليسار” و“الحطابة” المحيطتين بالقلعة، ضمن مشروع بحثي يهدف إلى دراسة وتوثيق وتأهيل المناطق التاريخية حول أحد أهم المعالم الأثرية في مصر.
وأوضح المجلس الأعلى للآثار أن البعثة نجحت في الكشف عن جزء وصف بأنه “الحلقة المفقودة” في منظومة إمداد القلعة بالمياه، حيث يُعتقد أنه كان امتدادًا مباشرًا لمنظومة سور مجرى العيون الشهيرة، وهو ما لم تذكره المصادر التاريخية السابقة.
وكشفت الحفائر عن بئرين ضخمين مبنيين من كتل حجرية، يبلغ عمق أحدهما نحو 10 أمتار والآخر 8 أمتار، وكانا مخصصين لرفع المياه وتخزينها داخل القلعة. كما تم العثور على منظومة تشغيل متكاملة تضم أربع سواقٍ دوارة وشبكة من المجاري الحجرية، إضافة إلى منشآت خدمية مرتبطة بها مثل مسارات حركة الدواب وغرف الإيواء ومخازن الأعلاف وأحواض سقي الحيوانات، ما يعكس مستوى متقدمًا من الهندسة المائية في العصر المملوكي.
وفي منطقة “الحطابة”، أسفرت أعمال التنقيب عن بقايا مسجد مملوكي شملت إيوان القبلة والمحراب وأجزاء من الرواق الجنوبي الغربي وأرضياته الحجرية، إلى جانب غرفة دفن مرتبطة بالمسجد ومجموعة من المقابر التي تعود لفترات إسلامية مختلفة، تضم بقايا عظام آدمية، بالإضافة إلى مقبرة يُرجح أنها تعود إلى بدايات العصر الإسلامي.
كما شملت الاكتشافات عددًا من اللقى الأثرية المهمة، من بينها قواديس فخارية استخدمت في رفع المياه، وعملات معدنية تعود للعصرين المملوكي والعثماني، إلى جانب أدوات للحياة اليومية وحلي وأسلحة تعود إلى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.
وفي إطار أعمال التوثيق، نفذت البعثة تسجيلًا رقميًا ثلاثي الأبعاد للخانقاة النظامية، مع الكشف عن أجزاء جديدة منها، بهدف إنشاء قاعدة بيانات رقمية متكاملة للموقع الأثري.
وأشار مدير البعثة الأثرية إلى أن الدراسات الأولية ترجح أن بعض المنشآت المكتشفة تعود إلى عهد السلطان الناصر محمد بن قلاوون، الذي حكم مصر بين عامي 1310 و1341، لافتًا إلى اكتشاف قناة مائية جديدة تتجه غربًا نحو الإسطبلات السلطانية، وهو ما قد يسهم في إعادة تأريخ عدد من المنشآت المحيطة بالقلعة.
وتُعد قلعة صلاح الدين الأيوبي واحدة من أهم القلاع الحربية في العصور الوسطى، حيث بدأ بناؤها عام 1176 ميلاديًا بأمر من السلطان صلاح الدين الأيوبي، فوق جبل المقطم بهدف تحصين القاهرة وربطها بمدينة الفسطاط ضمن منظومة دفاعية متكاملة، قبل أن يكتمل بناؤها عام 1207 في عهد السلطان الكامل بن العادل، لتصبح لاحقًا مقرًا للحكم في مصر لعدة قرون.
ويُعد هذا الاكتشاف إضافة مهمة لفهم البنية التحتية والهندسية للقلعة، ويعكس تطور نظم إدارة المياه في مصر خلال العصور الإسلامية.



