رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

أسرار بنحسي تعود للنور.. كشف هائل أسفل مساكن المطرية وعين شمس؟

تعبيرية
تعبيرية

في قلب الأحياء السكنية المزدحمة بمنطقتي المطرية وعين شمس بالقاهرة، وبين المباني الحديثة والشوارع التي تعج بالحياة اليومية، تواصل الأرض المصرية الكشف عن أسرارها الدفينة التي ظلت مدفونة لآلاف السنين.

فمع كل موسم حفائر جديد، تتكشف فصول جديدة من تاريخ مصر القديمة، لتؤكد أن باطن هذه المناطق الشعبية يخفي إرثاً حضارياً هائلاً يعود إلى واحدة من أهم المدن الدينية في العالم القديم، وهي مدينة أون أو هليوبوليس.

مقبرة بنحسي

وفي أحدث هذه الاكتشافات، أعلنت البعثات الأثرية العاملة بمنطقة مقبرة بنحسي بالمطرية عن العثور على مجموعة من المقابر والدفنات التي تعود إلى العصر المتأخر، تضم مقتنيات جنائزية ثمينة وقطعاً ذهبية وأدوات تجميل وزينة وأحجاراً كريمة وشبه كريمة، وهو ما يفتح الباب أمام فهم أعمق للحياة الاجتماعية والاقتصادية والطقوس الجنائزية في تلك الحقبة.

لكن أهمية هذا الكشف لا تتوقف عند حدود المكتشفات الجديدة، بل تمتد إلى اسم المنطقة نفسها المرتبط بإحدى الشخصيات البارزة في تاريخ مصر القديمة، وهو الكاهن والنبيل المصري "بنحسي" الذي لعب دوراً محورياً خلال فترة حكم الملك أخناتون، إحدى أكثر الفترات إثارة للجدل في التاريخ المصري القديم.

مقبرة وسط المساكن الحديثة

وتقع منطقة مقبرة بنحسي في نطاق حي المطرية بالقاهرة، بالقرب من منطقة عرب الحصن، وسط تجمعات سكنية حديثة وشعبية.

وقد يبدو المشهد غريباً للوهلة الأولى؛ إذ تتجاور المنازل والمحال التجارية مع موقع أثري يحمل بين طبقاته تاريخاً يمتد لآلاف السنين.

وتعد المنطقة جزءاً من الامتداد الأثري لمدينة أون القديمة، المعروفة لدى اليونانيين باسم هليوبوليس، والتي كانت تمثل العاصمة الدينية لمصر القديمة ومركز عبادة الإله رع، إله الشمس، فضلاً عن كونها واحدة من أبرز مراكز العلم والفلسفة واللاهوت في العالم القديم.

ويؤكد علماء الآثار أن الكثير من معالم مدينة أون لا يزال مدفوناً تحت المناطق السكنية الحالية، وهو ما يجعل كل عملية تنقيب بمثابة رحلة استكشاف جديدة داخل واحدة من أعرق المدن المصرية القديمة.

من هو بنحسي؟

يحمل الموقع اسم "بنحسي"، وهو أحد كبار رجال الدولة والنخبة الدينية خلال عصر العمارنة في القرن الرابع عشر قبل الميلاد، وتحديداً خلال حكم الملك أخناتون.

ويعد بنحسي من الشخصيات التي ارتبطت مباشرة بالتحول الديني الكبير الذي قاده أخناتون، عندما دعا إلى عبادة الإله آتون بوصفه الإله الأوحد للدولة المصرية، في خطوة غير مسبوقة أحدثت تغيرات سياسية ودينية واسعة النطاق.

وتشير النصوص والنقوش التاريخية إلى أن بنحسي كان من أقرب رجال أخناتون وأكثرهم نفوذاً، حيث شغل عدداً من المناصب المهمة التي تعكس مكانته الاستثنائية داخل الدولة.

ألقاب تكشف حجم النفوذ

حمل بنحسي مجموعة من الألقاب الرفيعة التي تؤكد أنه لم يكن مجرد موظف أو كاهن عادي، بل كان أحد أعمدة النظام الإداري والديني في عصر العمارنة.

ومن أبرز ألقابه الخادم الرئيسي لآتون في معبد آتون بأخت آتون، والنبي الثاني لرب الأرضين، وحامل أختام مصر السفلى، والمشرف على ماشية آتون، والمشرف على صوامع ومخازن آتون.

وتكشف هذه الألقاب عن امتلاكه سلطات واسعة امتدت إلى الجوانب الدينية والاقتصادية والإدارية في الدولة.

فمنصب "الخادم الرئيسي لآتون" جعله مسؤولاً عن إدارة الشعائر والطقوس المرتبطة بعبادة آتون، بينما منحته مناصب الإشراف على المخازن والثروة الحيوانية دوراً اقتصادياً بالغ الأهمية في إدارة موارد الدولة والمعابد.

كما أن حمله لقب "حامل أختام مصر السفلى" يشير إلى دوره الرسمي في توثيق وإدارة القرارات والمعاملات الحكومية، وهو منصب كان يقتصر عادة على كبار رجال الدولة المقربين من الملك.

بنحسي وعصر العمارنة

يرتبط اسم بنحسي ارتباطاً وثيقاً بفترة العمارنة، وهي الفترة التي شهدت تأسيس العاصمة الجديدة "أخت آتون"، المعروفة حالياً بتل العمارنة في محافظة المنيا.

وخلال تلك المرحلة، حاول أخناتون إحداث ثورة دينية شاملة عبر نقل مركز الحكم من طيبة إلى أخت آتون وإلغاء نفوذ كهنة آمون التقليديين.

وفي خضم هذه التحولات الكبرى، برز بنحسي كأحد أبرز داعمي المشروع الديني الجديد، ما جعله يحظى بمكانة رفيعة داخل البلاط الملكي.

وقد كشفت النقوش الموجودة في مقبرته المعروفة بمنطقة العمارنة عن مشاهد توثق علاقته المباشرة بالملك أخناتون والملكة نفرتيتي، وهو ما يعكس حجم الثقة التي حظي بها لدى الأسرة الحاكمة.

ماذا كشفت الحفائر الجديدة؟

بحسب الدكتور محمد عبد البديع، رئيس قطاع الآثار المصرية بالمجلس الأعلى للآثار، فإن الحفائر الأخيرة كشفت عن مجموعة من المقابر المشيدة بالطوب اللبن، إضافة إلى دفنات احتوت على مقتنيات أثرية متنوعة.

ومن أبرز المكتشفات قطع ذهبية استخدمت ضمن الأثاث الجنائزي، وأدوات زينة وتجميل، وكذا أحجار كريمة وشبه كريمة، بالإضافة إلى أوان فخارية متنوعة، وحلي ومجوهرات تعكس المكانة الاجتماعية لأصحاب الدفنات.

وتوفر هذه المكتشفات معلومات مهمة حول الطقوس الجنائزية وأساليب الدفن خلال العصر المتأخر، كما تساعد الباحثين على فهم البنية الاجتماعية والاقتصادية لسكان المنطقة في تلك الفترات.

أسرار ما زالت مدفونة

ويرى علماء الآثار أن ما تم الكشف عنه حتى الآن يمثل جزءاً محدوداً فقط من الكنوز الأثرية الكامنة في المنطقة.

فالجبانة الممتدة حول مقبرة بنحسي تضم طبقات أثرية متعاقبة تعود إلى عصور مختلفة، بدءاً من العصر المتأخر مروراً بالعصرين اليوناني والروماني، وصولاً إلى المراحل المسيحية المبكرة.

كما شهدت المنطقة خلال السنوات الماضية اكتشافات بارزة شملت توابيت مغطاة بالجص المذهب، وأثاثاً جنائزياً نادراً، وقطعاً ذهبية ذات قيمة تاريخية كبيرة.

هليوبوليس المفقودة

وتكمن أهمية هذه الاكتشافات في أنها تسهم في إعادة رسم خريطة مدينة أون القديمة، التي كانت يوماً مركزاً دينياً وعلمياً ضخماً قبل أن تختفي معالمها تدريجياً عبر القرون تحت التوسع العمراني.

ويأمل علماء الآثار أن تقود مواسم الحفائر المقبلة إلى الكشف عن المزيد من المقابر والمنشآت الدينية والإدارية المرتبطة بمدينة أون وشخصياتها البارزة، وفي مقدمتهم بنحسي.

فكل كشف جديد لا يضيف فقط قطعة جديدة إلى سجل الآثار المصرية، بل يعيد إحياء شخصيات وأحداث لعبت دوراً محورياً في تشكيل واحدة من أعظم الحضارات التي عرفها التاريخ.

وفي النهاية وبينما تستمر أعمال التنقيب وسط المساكن الحديثة بالمطرية وعين شمس، تظل الأرض المصرية قادرة على مفاجأة العالم، مؤكدة أن صفحات كثيرة من تاريخ الفراعنة لم تُكتب بعد، وأن أسرار بنحسي وهليوبوليس لا تزال تنتظر من يكشف عنها في الأعوام القادمة.

تم نسخ الرابط