من البحر المتوسط إلى الصحراء.. اجتماع وخطة شاملة لاستخراج كنوز مصر البترولية
في زمنٍ تتسارع فيه التحولات وتتشابك فيه المصالح، تبقى المشروعات الكبرى أكثر من مجرد أرقامٍ تُسجل أو مبانٍ تُشيَّد؛ فهي انعكاسٌ لإرادة وطن يسعى إلى صناعة مستقبله بيديه.
خطوة في معركة البناء
فكل مشروع جديد هو خطوة في معركة البناء، ورسالة تؤكد أن الأمم لا تُقاس بما تملكه من موارد فقط، بل بما تملكه من رؤيةٍ وقدرةٍ على تحويل الأحلام إلى واقع. وبين تحديات الحاضر وطموحات الغد، تواصل الدولة رسم ملامح مرحلة جديدة عنوانها التنمية والاستقرار، حيث يصبح العمل طريقًا نحو المستقبل، وتتحول الخطط إلى إنجازاتٍ تُعيد تشكيل الحياة للأجيال القادمة.
خريطة إنتاج الغاز والبترول
ففي الوقت الذي تتزايد فيه التحديات العالمية المرتبطة بالطاقة، تتحرك الدولة المصرية بخطوات متسارعة لإعادة رسم خريطة إنتاج الغاز والبترول في منطقة شرق المتوسط، عبر خطة طموحة للحفر الاستكشافي والتنمية خلال عام 2026 وما بعده، تستهدف تحويل مصر إلى مركز إقليمي رئيسي لتجارة وتداول الطاقة، وجذب استثمارات دولية ضخمة في قطاع البترول والغاز والتعدين.
اجتماع مدبولي وبدوي
بدأت القصة مع اجتماع رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي مع المهندس كريم بدوي وزير البترول والثروة المعدنية ليكشف عن ملامح واحدة من أكبر خطط التوسع في أنشطة الاستكشاف والتنمية التي تشهدها مصر خلال السنوات الأخيرة، خاصة في البحر المتوسط الذي بات يمثل الرهان الأكبر للدولة لتعزيز أمن الطاقة وتحقيق الاكتفاء الذاتي وزيادة الصادرات.
خطة وزارة البترول
وبحسب ما تم استعراضه خلال الاجتماع، فإن وزارة البترول تستهدف تنفيذ خطة موسعة خلال عام 2026 تشمل حفر أكثر من 100 بئر استكشافية وتنموية جديدة، بالتعاون مع عدد من كبريات الشركات العالمية، وفي مقدمتها Shell وBP وEni وChevron وExxonMobil إلى جانب شركة “أركيوس”، وذلك في إطار استراتيجية تستهدف رفع معدلات الإنتاج واستغلال الإمكانات الهائلة للبحر المتوسط.
تقليل فاتورة استيراد
وتسعى الحكومة من خلال هذه التحركات إلى تحقيق عدة أهداف استراتيجية في وقت واحد، أبرزها تقليل فاتورة استيراد الغاز الطبيعي، وتعزيز احتياطي الدولة من الطاقة، وتوفير احتياجات السوق المحلية، بجانب زيادة العوائد الدولارية الناتجة عن التصدير، خاصة مع تنامي الطلب الأوروبي على الغاز الطبيعي في ظل التحولات الجيوسياسية العالمية.
حقول الجديدة بالبحر المتوسط
وكشف وزير البترول خلال الاجتماع عن التواريخ المتوقعة لبدء الإنتاج من عدد من الحقول الجديدة بالبحر المتوسط، حيث من المنتظر أن تدخل بعض الاكتشافات الجديدة مرحلة الإنتاج التدريجي بداية من الربع الأخير من عام 2026، وهو ما يعكس تسارع وتيرة التنمية في المناطق البحرية المصرية.
حقل نرجس
ومن أبرز المشروعات الجاري العمل عليها، حقل “نرجس” للغاز الطبيعي بالبحر المتوسط، والذي بدأت به بالفعل أعمال حفر بئر جديدة، وسط توقعات بأن يسهم المشروع في زيادة كبيرة بإنتاج الغاز المحلي، وتقليل الاعتماد على الواردات الخارجية.
البئر فيلوكس
كما تتجه الأنظار إلى مشروع البئر “فيلوكس” بغرب المتوسط، الذي تستعد شركتا Shell وChevron لتنفيذه، في خطوة تعكس تنامي الثقة العالمية في فرص الاستثمار داخل قطاع الطاقة المصري.
إيجاس
ولم تتوقف التحركات عند حدود الحفر فقط، بل امتدت إلى توقيع شراكات استراتيجية جديدة، حيث تم توقيع مذكرة تفاهم بين الشركة القابضة للغازات الطبيعية “إيجاس” وشركة TotalEnergies لاستكشاف الإمكانات البترولية في مناطق بحرية بغرب المتوسط، في إطار خطة أوسع لزيادة أعمال البحث والاستكشاف بالمياه العميقة.
الدراسات السيزمية
وفي موازاة ذلك، تعمل الدولة على توسيع نطاق الدراسات السيزمية والاستكشافات الجيولوجية، حيث أشار وزير البترول إلى تنفيذ أعمال مسح سيزمي خلال الفترة من يناير إلى مايو 2026 بأطوال تجاوزت 5600 كيلومتر وعلى مساحة تقترب من 100 ألف كيلومتر مربع، وهي من أكبر عمليات المسح البحري التي شهدها القطاع خلال السنوات الأخيرة.
الغاز القبرصي
وتعكس هذه التحركات رؤية مصر بعيدة المدى للتحول إلى مركز إقليمي للطاقة، خاصة مع موافقة الجانب القبرصي على خطة تطوير وإنتاج حقل “كرونوس”، والذي تستهدف مصر من خلاله استقبال وتسييل الغاز القبرصي وإعادة تصديره إلى أوروبا عبر منشآتها، مع توقعات ببدء تصدير أولى الشحنات بحلول عام 2028.
دعم مناخ الاستثمار
وفي إطار دعم مناخ الاستثمار، أولت الحكومة اهتمامًا كبيرًا بملف مستحقات الشركاء الأجانب، حيث نجحت الدولة في خفض هذه المستحقات من 6.1 مليار دولار في يونيو 2024 إلى نحو 440 مليون دولار فقط في مايو 2026، مع خطة للوصول إلى “صفر مستحقات” بحلول 10 يونيو 2026، وهو ما ساهم في استعادة ثقة الشركات العالمية وتشجيعها على ضخ استثمارات جديدة في السوق المصرية.
خطة الدولة لقطاع الغاز
ولا تقتصر خطة الدولة على قطاع الغاز والبترول فقط، بل تمتد أيضًا إلى قطاع التعدين، الذي تراهن عليه الحكومة باعتباره أحد المحركات المستقبلية للاقتصاد المصري.
وفي هذا الإطار، تم التوقيع بالأحرف الأولى على مشروع المسح الجوي الجيوفيزيقي الشامل للثروات التعدينية بالتعاون مع شركة “إكس كاليبر” الإسبانية، في أول مشروع مسح شامل من نوعه في مصر منذ أكثر من 42 عامًا.
إنشاء قاعدة بيانات
ويرى مراقبون أن الدولة تتجه نحو بناء منظومة متكاملة تشمل الاستكشاف والإنتاج والتكرير والبتروكيماويات والتصدير والتعدين، بما يعزز مكانة مصر الاقتصادية والإقليمية خلال السنوات المقبلة.
طفرة جديدة لإنتاج الغاز والطاقة
ومع استمرار التوسع في مشروعات الحفر والاستكشاف، تبدو السنوات القادمة مرشحة لأن تشهد طفرة جديدة في إنتاج الغاز والطاقة، خاصة في ظل الدعم الحكومي الكامل، والتعاون المتزايد مع الشركات العالمية، والتوجه نحو استغلال ثروات البحر المتوسط بصورة أكثر كفاءة واستدامة.



