رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

ما وراء مبادرة «اسأل واستشير»؟.. مشروع لحماية الزراعة المصرية

أرشيفية
أرشيفية

الأمن الغذائي لم يعد مجرد شعار اقتصادي أو هدف تنموي تسعى إليه الدول، بل أصبح معادلة وجود ترتبط مباشرة باستقرار المجتمعات وقدرتها على مواجهة الأزمات والتغيرات المناخية المتسارعة.

فالدولة التي تملك غذاءها، تملك قرارها، وتحمي حاضرها ومستقبلها من تقلبات العالم. ومن هنا تتحول الزراعة من نشاط إنتاجي تقليدي إلى خط دفاع استراتيجي، تتقاطع فيه اعتبارات الاقتصاد مع الأمن القومي والتنمية المستدامة.

وفي قلب سيناء، حيث تخوض الدولة معركة التعمير والتنمية، تتجسد هذه الفلسفة من خلال التحركات الميدانية التي يقودها مركز بحوث الصحراء لدعم المزارعين ومواجهة تحديات السيول والتغيرات المناخية، في محاولة لحماية المحاصيل الزراعية وتعزيز قدرة التجمعات التنموية على تحقيق الاكتفاء والإنتاج، باعتبار أن حماية الأرض الزراعية اليوم هي في جوهرها حماية للأمن الغذائي المصري بأكمله.

صحراء سيناء

بدأت القصة من قلب صحراء سيناء، حيث تتحول الأرض القاحلة إلى مساحات خضراء بجهود المزارعين، تتواصل معركة التنمية الزراعية في مواجهة تحديات الطبيعة والتغيرات المناخية التي أصبحت تهدد استقرار الإنتاج الزراعي ومصادر رزق آلاف الأسر.

وبين السيول المفاجئة وارتفاع ملوحة التربة وتراجع خصوبة الأراضي، تتحرك الدولة بخطط ميدانية عاجلة لدعم مزارعي التجمعات التنموية، في محاولة للحفاظ على الرقعة الزراعية وتعزيز الأمن الغذائي.

وفي هذا الإطار، كثّف مركز بحوث الصحراء التابع لـ وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي جهوده الميدانية داخل مناطق وسط سيناء، من خلال تنفيذ زيارات ميدانية موسعة ضمن مبادرة «اسأل واستشير»، التي تستهدف نقل الخبرات العلمية والعملية مباشرة إلى المزارعين، وتقديم حلول عاجلة للتحديات التي تواجههم على أرض الواقع.

تحرك ميداني بعد السيول

وشهد تجمع النوافعة بوسط سيناء جولة ميدانية لفريق من الخبراء والمتخصصين في مجالات الفاكهة والإنتاج النباتي والأراضي، لمتابعة تداعيات السيول الأخيرة التي تعرضت لها المنطقة، وتأثيرها على الزراعات المختلفة، خاصة في ظل التغيرات المناخية المتسارعة التي باتت تمثل تحديًا كبيرًا للقطاع الزراعي في المناطق الصحراوية.

وجاءت التحركات الميدانية تنفيذًا لتوجيهات علاء فاروق وزير الزراعة واستصلاح الأراضي، وتعليمات الدكتور حسام شوقي رئيس مركز بحوث الصحراء، بضرورة تكثيف التواجد الميداني بين المزارعين، وتقديم الدعم الفني والإرشادي للمناطق المتضررة، والعمل على الحد من التأثيرات السلبية للتغيرات المناخية على المحاصيل الزراعية.

مزارع الزيتون

وخلال الجولات الميدانية، تابع الخبراء الحالة العامة للمزارع، خاصة مزارع الزيتون التي تُعد من أهم الزراعات الاستراتيجية في سيناء، حيث تم رصد عدد من المشكلات التي تواجه المزارعين، وفي مقدمتها ارتفاع ملوحة التربة وتأثيرها المباشر على نمو الأشجار والإنتاجية.

وأكد متخصصون أن زيادة الملوحة تؤدي إلى ضعف امتصاص العناصر الغذائية وتراجع معدلات النمو والإثمار، ما ينعكس سلبًا على جودة المحصول وكمياته، خاصة في المناطق التي تعتمد على الموارد المائية المحدودة.

كما جرى تقييم آثار السيول الأخيرة على الأراضي الزراعية، ومدى تأثر البنية التحتية الزراعية وشبكات الري، إضافة إلى رصد احتياجات المزارعين الفنية والخدمية لضمان استمرار الإنتاج.

توصيات لإنقاذ المحاصيل

وقدم خبراء المركز حزمة من الإرشادات الفنية والتوصيات العملية للتعامل مع ملوحة التربة وتحسين خواصها، تضمنت استخدام برامج ري حديثة، وتعديل أساليب التسميد، والاعتماد على معاملات زراعية تسهم في تقليل الإجهاد الواقع على النباتات.

كما تضمنت التوصيات توعية المزارعين بأفضل الممارسات الزراعية الملائمة لطبيعة المنطقة، خاصة فيما يتعلق بإدارة المياه وترشيد استخدامها، واختيار الأصناف الأكثر تحملاً للظروف البيئية القاسية.

وأكد الباحثون أن تطبيق هذه الإرشادات من شأنه رفع كفاءة الإنتاج الزراعي وتقليل الخسائر الناتجة عن التغيرات المناخية، فضلًا عن تحسين جودة المحاصيل وزيادة قدرتها على مواجهة الظروف المناخية غير المستقرة.

اسأل واستشير

وتأتي هذه التحركات ضمن مبادرة «اسأل واستشير قبل ما تدفع كتير»، التي أطلقها مركز بحوث الصحراء بهدف خلق قناة تواصل يومية ومباشرة بين الباحثين والمزارعين في التجمعات الزراعية بسيناء، بما يضمن نقل المعرفة العلمية إلى الحقول الزراعية بصورة عملية وسريعة.

وتهدف المبادرة إلى تمكين المزارعين من الحصول على الاستشارات الفنية اللازمة في التوقيت المناسب، بما يساعدهم على اتخاذ قرارات زراعية صحيحة تقلل من الخسائر وتزيد من معدلات الإنتاج.

ويرى خبراء أن المبادرة تمثل نموذجًا حديثًا للإرشاد الزراعي التطبيقي، حيث تعتمد على النزول الميداني والتفاعل المباشر مع المشكلات الحقيقية للمزارعين، بدلًا من الاكتفاء بالتوصيات النظرية التقليدية.

تجمعات سيناء الزراعية

فيما لم تقتصر الجهود على تجمع النوافعة فقط، بل امتدت إلى عدد من التجمعات الزراعية الأخرى، شملت الحمة والسحيمي وأبو رصاصة والنثيلة، حيث أجرى فريق الباحثين جولات متابعة لزراعات الفول والقمح والشعير وأشجار الزيتون.

وتركزت أعمال المتابعة على تقييم الحالة الصحية للمحاصيل، ورصد أي تأثيرات مناخية أو بيئية قد تؤثر على الإنتاج، إلى جانب تقديم التوصيات الفنية المناسبة لكل محصول وفق طبيعة التربة والظروف المناخية في المنطقة.

وأوضح الدكتور حسام شوقي أن المتابعة المستمرة للمزارع والتدخل السريع في الوقت المناسب يمثلان عنصرًا أساسيًا في تحقيق التنمية الزراعية المستدامة بسيناء، مشيرًا إلى أن المركز يعمل على تعظيم الاستفادة من الموارد الطبيعية المتاحة، ودعم المجتمعات الزراعية الجديدة لتحقيق أعلى معدلات إنتاج ممكنة.

رهان الدولة للمستقبل

وتعكس هذه التحركات اهتمام الدولة المتزايد بتنمية سيناء زراعيًا، باعتبارها أحد المحاور الرئيسية لتحقيق التنمية الشاملة وتعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في المنطقة.

ويؤكد متخصصون أن نجاح خطط التنمية الزراعية في سيناء يعتمد على استمرار الدعم الفني للمزارعين، وتطوير نظم الري الحديثة، وتحسين إدارة الموارد المائية، فضلًا عن التوسع في استخدام التكنولوجيا الزراعية لمواجهة التحديات المناخية المتزايدة.

وفي النهاية ومع استمرار المبادرات الميدانية وتكثيف الدعم الفني، تبدو التجمعات الزراعية في سيناء أمام مرحلة جديدة تستهدف تعزيز الإنتاج وتحقيق الاستدامة الزراعية، بما يسهم في دعم الاقتصاد المحلي وتحسين مستوى معيشة المزارعين في واحدة من أكثر المناطق الواعدة بالتنمية في مصر.

تم نسخ الرابط