لأغراض مجهولة.. ساحرات معاصرات يقمن برحلات حج إلى معبد قديم في تركيا
في جنوب غرب تركيا، وبين الشواطئ المتوسطية والجبال الوعرة والآثار القديمة، تقف منطقة لاغينا الأثرية كواحدة من أكثر المواقع غموضًا وإثارة للاهتمام، ليس فقط لعشاق التاريخ، بل أيضًا لأتباع طقوس روحية لا تزال مرتبطة بإلهة يونانية قديمة تُدعى هيكاتي.
تقع لاغينا على بعد نحو ساعة شمال بلدة أكياكا الساحلية في ولاية موغلا، وتضم أكبر معبد معروف في العالم مخصص للإلهة هيكاتي، التي ارتبطت في الأساطير اليونانية بالسحر والطرق والمفترقات والتحولات الروحية، بحسب cnn.
حج الساحرات في تركيا
ورغم اندثار معظم العبادات اليونانية والرومانية القديمة، لا تزال هيكاتي تحظى بمكانة خاصة لدى جماعات روحية ووثنية حديثة من مختلف أنحاء العالم، حيث يزور بعض أتباعها الموقع لإقامة طقوس وتقديم قرابين، معتبرين أن المكان ليس مجرد موقع أثري بل مركزًا روحيًا حيًا.
وقال بلال سوغوت، أستاذ الآثار بجامعة باموكالي والمشرف على أعمال التنقيب في لاغينا ومدينة ستراتونيكيا المجاورة، إن المعبد يُعد الوحيد في العالم بهذا الحجم الذي بُني خصيصًا لعبادة هيكاتي.

طريق مقدس مرصوف بالحجارة
وكانت لاغينا قد ارتبطت قديمًا بمدينة ستراتونيكيا عبر طريق مقدس مرصوف بالحجارة يمتد لأكثر من ثمانية كيلومترات، تحيط به النوافير والآبار والمستوطنات الصغيرة، وكانت تمر عبره مواكب دينية ضخمة خلال الاحتفالات والطقوس القديمة.
ومن أشهر هذه الطقوس ما كان يُعرف بـ«حمل المفتاح المقدس»، حيث كانت فتاة صغيرة تُلقب بـ«حاملة المفتاح» تنقل مفتاحًا مقدسًا بين لاغينا وستراتونيكيا وسط مواكب من الكهنة والمنشدين.
ووفق الباحثة والكاتبة هوما زيبك، فإن المفتاح كان يحمل رمزية تتجاوز المعنى المادي، إذ كان يُنظر إليه كرمز للعبور بين الحياة والموت، والوعي واللاوعي، والتحول الروحي.

الرحلة الروحية
كما أوضحت أن هيكاتي كانت تُعتبر «حارسة العتبات»، أي المرشدة الروحية للأشخاص الذين يمرون بتحولات أو أزمات حياتية، إضافة إلى ارتباطها بصورة المرأة الحكيمة والأم الكبرى في الثقافات القديمة.
واكتسب الموقع أهمية أكبر بعد عام 88 قبل الميلاد خلال الصراع بين الإمبراطورية الرومانية وميثريداتس، حاكم مملكة بونتوس في الأناضول، حيث دعمت ستراتونيكيا الجانب الروماني، وهو ما دفع الرومان لاحقًا إلى تمويل تطوير معبد هيكاتي وإنشاء مهرجان سنوي ضخم حمل اسم «هيكاتيسيا-رومانيا».
ولا تزال لاغينا حتى اليوم مقصدًا للزوار الروحيين، ومن بينهم الكاتبة سوريتا ديستي التي تصف نفسها بالكاهنة وممارسة السحر، حيث ترى أن الموقع يتمتع بطاقة روحية خاصة.
ويرى بعض الزوار أن الطريق المؤدي إلى المعبد يحمل رمزية إضافية، خاصة مع مروره قرب تقاطع ثلاثي وبجوار محطة طاقة ضخمة بثلاث مداخن، في إشارة رمزية إلى ارتباط هيكاتي بمفترقات الطرق.
وفي حين يزور بعض الأشخاص الموقع بدافع التأمل التاريخي أو الروحي، يقوم آخرون سرًا بترك قرابين بين الأنقاض مثل الثوم والرمان والتفاح والقمح وحتى الأسماك، وهي قرابين مشابهة لما كان يُقدم للإلهة في العصور القديمة، رغم اعتراض علماء الآثار خشية الإضرار بالموقع.
وفي النصوص اليونانية القديمة، خاصة لدى الشاعر هيسيود في كتاب «الثيوغونيا»، كانت هيكاتي تُصوَّر كإلهة عظيمة منحها زيوس سلطة على السماء والأرض والبحر، قبل أن تتحول صورتها لاحقًا في الأدب والمسرح الإغريقي إلى رمز للسحر والشعوذة.
وخلال العصور الوسطى الأوروبية، ارتبط اسم هيكاتي بالسحر الأسود والخوف، وهو ما تعتبره بعض الباحثات انعكاسًا لنظرة أوروبية قديمة تجاه الحكمة الأنثوية والطقوس المرتبطة بالمرأة.
أما أتباعها المعاصرون، فيرون فيها رمزًا للنور والتحول الروحي والإرشاد، وليس مجرد شخصية مرتبطة بالسحر بالمفهوم السلبي.
وقال الباحث الأثري إمراه أورتيكين إنه حضر طقسًا مخصصًا لهيكاتي في ألمانيا، حيث شاهد مشاركين يقدمون الطعام والنبيذ وينشدون تراتيل مستوحاة من النصوص اليونانية القديمة وسط أجواء مليئة بالبخور والرموز الطقسية.
ولا توجد أرقام رسمية لعدد أتباع هيكاتي اليوم، لكن جماعة «عهد هيكاتي» التي أسستها سوريتا ديستي تؤكد امتلاكها مجتمعًا عالميًا يضم مئات الأعضاء، إلى جانب حضور الإلهة داخل بعض التيارات الوثنية الحديثة مثل الويكا.
وإلى جانب أهميته الروحية، يُعتبر المعبد تحفة معمارية تعود إلى القرن الأول قبل الميلاد، حيث يجمع بين الطرازين الأيوني والكورنثي، وتنتشر فيه نقوش ورموز غامضة، أبرزها الفأس مزدوج الرأس والرموز المنحوتة على الدرجات الحجرية.
ووصف بلال سوغوت الموقع بأنه «متحف للزلازل»، في إشارة إلى آثار الدمار التي لا تزال واضحة نتيجة الهزات الأرضية القديمة التي ضربت المنطقة عبر القرون.
كما يحتل الموقع مكانة خاصة في تاريخ علم الآثار التركي، إذ كان من أوائل المواقع التي نقّب فيها عثمان حمدي بك، المعروف بأب علم الآثار في الدولة العثمانية، والذي منع نقل النقوش والآثار المكتشفة إلى أوروبا، وأصر على بقائها داخل تركيا، حيث تُعرض اليوم في متاحف إسطنبول وموغلا.
وأكد الباحثون أن بقاء هذه القطع الأثرية والرموز القديمة محفوظة حتى اليوم ساهم في استمرار الاهتمام الحديث بهيكاتي، ومنح أتباعها مادة تاريخية وروحية غنية لإحياء الطقوس والمعتقدات المرتبطة بها.



