شهادتي وذكرياتي الحلقة ٨٦ حادث رفح..مصطفى بكري
قبيل إجراء الانتخابات الرئاسية بقليل، ثارت ضجة حول الزيارة التى قام بها مدير المخابرات العسكرية القطرية أحمد بن ناصر جاسم آل ثانى سرَّا إلى مصر فى نهاية شهر مايو 2012.
كنت قد تقدمت بطلب عاجل إلى رئيس مجلس الشعب لمناقشة أبعاد هذه الزيارة وأهدافها، وما تردد حول لقاء المسئول القطرى بقيادات إخوانية وسياسية ومرشحين للرئاسة فى إحدى فيلات مصر الجديدة.
التقيت فى هذا الوقت بالدكتور سعد الكتاتنى رئيس مجلس الشعب، وسألته لماذا لا تجرى مناقشة هذا الطلب العاجل على الفور، خصوصًا أن الرأى العام منشغل بهذه القضية، ويريد أن يعرف أسباب هذه الزيارة السرية.
•• أجابنى بالقول: نحن لسنا ضد مناقشة الطلب العاجل الذى تقدمت به، لكننا بالأساس ننتظر الموافقة النهائية من الحكومة على مناقشة هذا الطلب.
• قلت له: ولكنك تعرف أهمية هذا الطلب، وأنا أتخوف من مراوغات الحكومة!!
•• قال: هذه قضية مهمة وخطيرة، ولابد أن توضح فيها الحقائق، لأنها أصبحت قضية رأى عام.
• قلت له: ولكن من حقى أن أسأل الحكومة تحت قبة البرلمان، لماذا التأخير!!
•• فقال لى: وأنا ليس لدى أى مانع.
وبالفعل عندما أثيرت القضية فى جلسة البرلمان، رد عليّ ممثل الحكومة د.عمر سالم وزير شئون مجلسى الشعب والشورى بالقول إنه ينتظر رد الجهات المعنية على هذا الطلب، وساعتها ستقول الحكومة إنها مستعدة للمناقشة.
وخلال الاستراحة بين الجلسة الأولى والثانية لمجلس الشعب، طلب الوزير عمر سالم مقابلتى على انفراد وفى غرفة الحكومة المجاورة لقاعة البرلمان.
ذهبت إليه، كان الرجل ودودًا ومتفهمًا للمطلب الذى تقدمت به، إلَّا أنه قال لى: إن الموضوع حساس، وأن هناك جهات عديدة فى الدولة اتخذت الإجراءات اللازمة، وترى أن مناقشة الموضوع تحت قبة البرلمان ربما تزيد من تعقد المشكلة.
• قلت له: ولكن البرلمان هو ممثل الشعب، وأنا على ثقة أن زيارة المسئول القطرى ليست بريئة، وإلَّا ما دخل البلاد سرًا.. ناهيك عن إقامته فى شقته الخاصة دون إخطار المخابرات العامة أو الحربية.
•• قال الوزير عمر سالم: ولكن الأجهزة المعنية لم تقدم للحكومة أى رد حول تفاصيل هذه الزيارة وأسبابها والإجراءات التى اتخذت بصددها.
وعلى الفور قام الوزير عمر سالم بالاتصال بمدير المخابرات العامة اللواء مراد موافى، وتحدث معه حول القضية المطروحة، ثم أعطانى سماعة الهاتف لأتحدث مع اللواء موافى.
لم تكن تلك هى المرة الأولى التى أتحدث فيها مع مدير المخابرات العامة الذى تولى منصبه فى أعقاب اختيار اللواء عمر سلمان نائبًا لرئيس الجمهورية فى 29 يناير 2011، لقد سبق أن التقيته لقاء مطولًا من قبل استمر لأكثر من ساعتين، بهدف معرفة آخر التطورات والمشكلات والأزمات التى تحاصر البلاد منذ سقوط النظام السابق.
تواعدنا على اللقاء فى ذات اليوم، وكان موعدى معه الثالثة ظهرًا فى مبنى المخابرات العامة بحدائق القبة، لقد بدا لى اللواء موافى فى هذا اللقاء محبطًا، وكأنه كان يرى المستقبل أمام عينيه.
• كان سؤالى: لماذا لا تريدون الحديث عن زيارة مدير المخابرات العسكرية القطرية، هذه قضية أمن قومى؟
•• قال اللواء موافى: لقد فوجئنا بهذه الزيارة، وتمت متابعتها، وقد تولى اللواء عبدالفتاح السيسى مدير المخابرات الحربية استدعاء المسئول القطرى وحذره وعنفه!!
• قلت: ولكن تحركاته تطرح علامات استفهام عديدة، فهى أولًا تأتى قبل انتخابات الرئاسة، وهى ثانيًا جاءت بشكل سرى، والأخطر أنه التقى قيادات كبرى من جماعة الإخوان وبعض القوى السياسية الأخرى.
•• قال: اللواء السيسى استدعاه إلى مكتبه، وكان حادًا معه.
• قلت: الحكومة القطرية تلعب دورًا مشبوهًا على الساحة المصرية، وتتدخل فى شئون البلاد تدخلًا سافرًا، وأنا كنت أتمنى أن تطرح الحقائق كاملة تحت قبة البرلمان.
•• قال: هذه القضية، المشير وحده هو صاحب القرار فيها، وأظن أنهم يفضلون معالجة الأمر بعيدًا عن البرلمان وعن الإعلام.
• •
أدركت أن اللواء مراد موافى، أراد أن يقول لى إن الأمر ليس فى حوزته، وأن القرار الوحيد هو فى يد رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وأن المشير يفضل إنهاء الأزمة بعيدًا عن المناقشة العلنية.
وفى وقت لاحق فيما بعد، كنت قد تحدثت مع اللواء عبدالفتاح السيسى مدير المخابرات الحربية حول هذه القضية، فأكد لى بالفعل أنه استدعى مدير المخابرات العسكرية القطرية وعنفه وأكد له رفض مصر لهذه التحركات والزيارات السرية وحذره من تكرارها.
• •
- كانت القضية الثانية التى أثرتها مع مدير المخابرات العامة فى هذا اللقاء، هى قضية تردى الأوضاع الأمنية فى سيناء، كانت أحداث العنف التى تجرى فى هذه البقعة من الأرض المصرية، تثير مخاوف الكثيرين على المستقبل، وتطرح علامات استفهام كثيرة عن الحاضر، ومجريات الأمور هناك.
• قلت للواء مراد موافى: إلى ستبقى الأوضاع فى سيناء خارج السيطرة الأمنية، لقد اختطف فى أعقاب الثورة ثلاثة من ضباط الشرطة المصريين، وحتى الآن لم يتم العثور عليهم، كما أن أحداث العنف لا تتوقف هناك؟!
•• قال اللواء موافى: الأوضاع فى سيناء تنذر بخطورة شديدة، وأنا أعرف هذه الحقائق، منذ كنت محافظًا لشمال سيناء، بل وقبل ذلك خلال فترة عملى مديرًا للمخابرات الحربية، إلَّا أن الموقف الآن لم يعد يحتمل، التقارير التى تصلنا تنذر بتطورات أخطر فى الفترة المقبلة.
• قلت: وهل جرى إبلاغ المشير طنطاوى بهذه التقارير؟
•• قال: طبعًا بالقطع، نحن نبلغه بالحقائق أولًا بأول.
• قلت: وما رد فعله؟
•• قال: كان هناك اتفاق على القيام بحملة واسعة أكثر من مرة، ولكن تطورات الأوضاع الداخلية فى البلاد، واستمرار المليونيات المعادية للمجلس العسكرى، وأعمال العنف، كانت جميعها سببًا فى تأجيل العملية الواسعة داخل سيناء.
• قلت: لكن الموقف الآن ينذر بكارثة كبرى، وانت تعرف أن «إسرائيل» تنتظر بالمرصاد؟
•• قال: ياريت عندما تلتقى مع المشير تبلغه بذلك، مطلوب حسم الأمر سريعًا فى سيناء، وإلَّا فلن نستطيع محاصرة العناصر الإرهابية التى بدأت تنتشر هناك، وتتواصل مع الجماعات التكفيرية داخل قطاع غزة، حيث يجرى التواصل بينهما عبر الأنفاق المفتوحة بين الجانبين.
استمر اللقاء مع اللواء موافى أكثر من ساعة من الوقت.
وكان الرجل يبدو شديد القلق على التطورات الجارية فى سيناء، وكان من أنصار الحسم السريع مهما كانت التداعيات.
انصرفت فى نحو الرابعة والربع من بعد عصر هذا اليوم، ومضيت من مبنى المخابرات العامة إلى مبنى مجلس الشعب، وذلك للمشاركة فى الجلسة المسائية، حاولت بعد ذلك مع د.سعد الكتاتنى رئيس المجلس طرح قضية زيارة مدير الاستخبارات القطرية مجددًا، إلَّا أنه قال لى: نحن فى انتظار رد الحكومة، ولا أستطيع طرح القضية، إلَّا بعد أن أن تبلغنى باستعدادها للرد على ما أثير.
أدركت فى هذا الوقت، أنه لا أمل فى طرح القضية مجددًا، فلجأت إلى الفضائيات والصحف ومواقع التواصل الاجتماعى لإثارة القضية على أوسع نطاق.
• • •
كانت أحداث العنف فى سيناء تتوالى، عمليات إرهابية يجرى تنفيذها فى مناطق متعددة، غير أن الخطر الأكبر تمثل فى وصول هذه الجماعات المتطرفة إلى قلب مدينة العريش، حيث هوجمت أقسام الشرطة، واستشهد العديد من الضباط والجنود، وعم الرعب وعمليات خطف السيارات واحتجاز المواطنين، والسيطرة على شوارع رئيسية داخل المدينة، ثم التمكن من الاختفاء والهروب بطريقة مريبة.
قبل ذلك بفترة وجيزة، كان اللواء أحمد جمال الدين مدير الأمن العام قد تلقى تكليفًا من وزير الداخلية الأسبق اللواء محمد إبراهيم بترأس وفد أمنى كبير، والقيام بمتابعة الأوضاع على الطبيعة فى سيناء.
كان التكليف صادرًا بالأساس من المشير طنطاوى لوزير الداخلية، ولذلك صدرت التعليمات بتعاون الجيش مع قوات الأمن التى تصدت لهذه المسئولية، وقامت بحصار بعض مواقع هذه الجماعات داخل مناطق سيناء المختلفة، إلَّا أن قوات الأمن لم تتمكن من القضاء عليها، فقد انتشرت هذه الجماعات فى دروب جبلية يصعب الوصول إليها، كما أن الأنفاق بين سيناء وغزة ساعدت هذه العناصر الإرهابية فى الهروب داخل القطاع بعيدًا عن ملاحقات رجال الأمن المصريين.
عندما عاد اللواء أحمد جمال الدين بعد عدة أيام قضاها فى سيناء، قدم تقريرًا إلى وزير الداخلية، الذى رفعه بدوره إلى المشير حسين طنطاوى، حيث تضمن هذا التقرير عدة نقاط:
• إن الموقف فى سيناء يزداد خطورة يومًا عن يوم، وأن قوات الأمن وحدها لن تستطيع القضاء على هذه العناصر الإرهابية التى انتشرت فى مناطق جبلية واسعة وصعبة داخل أرجاء سيناء، وأن الجيش لابد أن يتدخل جنبًا إلى جنب مع قوات الشرطة قبل أن تنفلت الأوضاع وتصبح سيناء خارج السيطرة.
• إن هناك تعاونًا بين التنظيمات السلفية الجهادية المصرية التى توحدث فى إطار تنظيم واسع، وبين بعض المنظمات التكفيرية فى قطاع غزة، وأن الأنفاق تسهل من تواصل هذا التعاون المشترك والإمداد بالسلاح والقيام بعمليات مشتركة وتوفير سبل الهروب بعيدًا عن عيون الشرطة المصرية.
• إنه يتوقع زيادة حدة العمليات الإرهابية فى سيناء، حال الصمت على هذه الجماعات، وأن هذه الجماعات لديها مخططات انفصالية تهدد الأمن القومى فى الصميم، وأنه ينصح بضرورة التحرك السريع.
كان المجلس العسكرى قد ناقش هذه التطورات أكثر من مرة، وكان الجيش الثانى الميدانى على أهبة الاستعداد للتدخل، إلَّا أن المشير ظل يتخوف من هذه المغامرة، فى وقت كان الجيش فيه مشغولًا بأحداث الداخل، كما أن إدخال طائرات ومعدات عسكرية ثقيلة إلى هذه المنطقة الحدودية يحتاج إلى موافقة مسبقة من الحكومة الإسرائيلية وفقًا لما نصت عليه اتفاقية السلام المصرية - الإسرائيلية.
لقد جرى تأجيل حسم الملف، إلى أن وقعت الكارثة الكبرى فى مساء الخامس من أغسطس 2012.
كانت الخطة قد جرى إعدادها مسبقًا، وكان الهدف هذه المرة هو القيام بعملية مزدوجة، قتل جنود مصريين، والقيام بعملية عسكرية داخل الحدود مع «إسرائيل».
قبلها كانت الحكومة الإسرائيلية قد حذرت رعاياها داخل سيناء من أعمال إرهابية متوقعة بعد أن رصدت تحركات ونشاطًا غير عادى لبعض الجماعات المتطرفة على الحدود مع سيناء.
وقد طلبت الحكومة الإسرائيلية من جميع رعاياها مغادرة سيناء فورًا والعودة إلى «إسرائيل» بأقصى سرعة.
فى هذا الوقت قدم اللواء مراد موافى مدير المخابرات العامة تقريرًا عاجلًا إلى رئيس الجمهورية محمد مرسى وإلى رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة المشير طنطاوى، ركز فيه على عدد من النقاط أبرزها:
- أنه توافرت للمخابرات العامة معلومات تقول إن هناك عناصر متطرفة مصرية وفلسطينية تعد للقيام بعملية عسكرية كبرى تستهدف الجنود المصريين داخل سيناء، وأن هذه العناصر مدربة تدريبًا جيدًا، وأنها تستهدف من وراء هذه العملية نشر الفوضى وفرض سيطرتها الأمنية على سيناء.
- إن لدى الحكومة الإسرائيلية وأجهزتها المعنية معلومات تتوافق مع المعلومات الواردة إلى المخابرات العامة، وأن هناك اتفاقًا بين تنظيم الجماعة الجهادية السلفية المصرية وبين تنظيم «جلجلة» التكفيرى فى فلسطين على القيام بهذه العملية المشتركة.
- إنه ينصح برفع درجة اليقظة والاستعداد واستخدام أسلوب المبادءة فى الهجوم لإفشال هذا المخطط قبيل وقوعه، خصوصًا أن المخابرات العامة استمدت معلوماتها من عناصر مقربة من هذا التنظيم من أبناء بدو سيناء، مما يؤكد مصداقيتها.
كان التقرير مهمًا وخطيرًا، وقد تلاقى فى هذا الوقت مع تقرير آخر أعدته المخابرات الحربية تضمن ذات المعلومات وحذر من خطورة ما هو متوقع.
• • •
فى الخامس من أغسطس 2012، كان هناك خمس وثلاثون عنصرًا مصريًا وفلسطينيًا يلتقون، جاء بعضهم عبر الأنفاق من داخل غزة، وكان الآخرون ينتظرون داخل سيناء.
فى هذا الوقت جرى إغلاق الطريق من خان يونس إلى رفح فى حوالى الخامسة مساء، أى قبيل موعد انطلاق مدفع الإفطار بنحو الساعتين.. قسم المشاركون أنفسهم إلى عدة مجموعات، تحركوا بسيارات دفع رباعى باتجاه جنوب رفح.
كانوا يحسبون الوقت جيدًا، لقد اختاروا لحظة أذان المغرب وبدء الإفطار لتنفيذ عملياتهم الدنيئة، دون وازع أو خوف أو ضمير.
كان الجنود المصريون يرابطون فى كمين «الحرية» جنوب منطقة رفح، وبالقرب من منطقة «كرم أبو سالم» التى تقع داخل الحدود مع القوات الإسرائيلية، لقد انتهوا منذ قليل من إعداد وجبة الإفطار، تركوا أسلحتهم جانبًا واستعدوا لتناول الإفطار فى هذا الشهر الكريم.
كان النقيب «محمد» قائد الوحدة، قد قرر الإفطار مع ضباط السرية فى منطقة رفح، بينما انتظر الجنود فى موقعهم، وقد تركوا أسلحتهم جانبًا.
بعد دقيقة واحدة من أذان المغرب، توقفت السيارات المهاجمة، هبط منها الإرهابيون الخمسة والثلاثون، كانوا يحملون رشاشات وأسلحة متقدمة، وأطلقوا رصاصاتهم على الجميع، سقطت أكواب المياه من أيدى الجنود، اختلطت دماؤهم بوجبات الإفطار، لم يتمكن أحد منهم من الإمساك بسلاحه ومواجهة القتلة، لقد فاجأوهم، وقتلوهم بلا رحمة، فى دقائق معدودة سقط ستة عشر شهيدًا، وأصيب سبعة آخرون.. نجوا بحياتهم عندما أدعوا الموت بعد إصابتهم بالرصاص، وظلوا بلا حراك، إلى أن غادر الإرهابيون منطقة «كمين الحرية» التى كان يرابط فيها الجنود.
كان الإرهابيون يرتدون الملابس العسكرية الزيتية، وكان أغلبهم ملثمون، إلَّا أنه بعد تنفيذ العملية أماط الكثيرون منهم اللثام عن وجهه وراحوا يهتفون «الله أكبر.. النصر لنا»، وكأنهم بذلك كانوا يخوضون حربًا عسكرية ضد الأعداء.
فى هذه اللحظات الصعبة، كان هناك بعض الجرحى من الجنود المصريين يحاولون متابعة المجموعة الإرهابية قبل أن تغادر المكان، بعد أن قسموا أنفسهم إلى قسمين:
- قسم استقل مدرعة الشرطة المصرية «فهد» ومضى بها متجاوزًا الحدود مع إسرائيل باتجاه منطقة «كرم أبو سالم».
- والقسم الآخر اتجه هاربًا إلى منطقة الأنفاق للعبور باتجاه قطاع غزة.
بعد قليل انتشر الخبر، فأحدث صدمة عنيفة فى أوساط المصريين، فى هذا الوقت دعا المشير حسين طنطاوى إلى اجتماع عاجل للمجلس الأعلى للقوات المسلحة، تدارس فيه الأمر فى ضوء المعلومات الأولية التى قدمها مدير المخابرات الحربية اللواء عبدالفتاح السيسى، والذى أشار إلى وجود عناصر مصرية وفلسطينية تنتمى لتنظيمات جهادية متطرفة، خصوصًا بعد قيام إسرائيل بتدمير المدرعة «فهد» وقتل غالبية عناصرها من خلال صواريخ وجهتها طائرات حربية إسرائيلية إلى العناصر الإرهابية، التى كانت قد تخطت الحدود باتجاه منطقة كرم أبو سالم.
فى هذا الوقت تم رصد قيام عناصر من داخل قطاع غزة بمعاونة هذه المجموعة، من خلال قيامها بأعمال قصف نيران مدافع الهاون على منطقة كرم أبو سالم، وهو ما أكده بيان المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذى أراد من خلال هذا البيان كشف حقيقة التنسيق بين هذه القوى وبين قوى آخرى لها نفوذ واسع داخل قطاع غزة، واستخدمت طلقات الهاون لحماية هذه المجموعة الإرهابية أثناء دخولها إلى منطقة كرم أبو سالم.
وفى هذا الوقت أيضًا بدأت الاتصالات بين المخابرات المصرية وبين الحكومة الإسرائيلية، لتسلُّم جثث الإرهابيين القتلى، لمعرفة هويتهم وانتماءاتهم.
وفى مساء اليوم ذاته، وجه مصدر أمنى بوزارة الداخلية المسئولية عن هذه الجريمة إلى جماعات تكفيرية سبق لها القيام بأعمال عنف داخل العريش ذاتها.
كانت وسائل الإعلام المصرية الخاصة قد غيرت خريطة برامجها فى هذا اليوم، وخصصت برامج «التوك شو» ساعات طويلة فى تحليل الحدث ونقل مشاعر الحزن التى اجتاحت الشعب المصرى، بينما بدا التليفزيون المصرى وكأنه غير معنى بما جرى، حيث جاءت التغطية الإخبارية سطحية وهامشية.
استمر التليفزيون فى بث برامجه العادية، الترفيهية والاجتماعية وتم التعامل مع الحادث، وكأنه حادث عادى لا يستحق تغيير الخريطة البرامجية.
وفى أعقاب الحادث مباشرة توجه الفريق سامى عنان رئيس الأركان إلى منطقة الحادث لمتابعة تطورات الأوضاع، والجهود المبذولة للقبض على الجناة وكان بصحبته اللواء أحمد يوسف قائد قوات حرس الحدود، أما رئاسة الجمهورية فقد أصدرت بيانًا على لسان المتحدث الرسمى باسم الرئاسة د.ياسر على أكدت فيه على إدانتها للحادث، وقالت: «إنه لن يمر مرور الكرام دون رد مناسب»!!
كانت كلمات البيان باهتة، لا تتناسب مع خطورة الحدث، والمؤامرة التى استهدفت الجنود المصريين على الحدود، لقد قارن المصريون فى هذا الوقت بين غضبة الرئيس مرسى وشدة انفعاله فى مواجهة العدوان الإسرائيلى على غزة قبل هذا الحادث بأيام قليلة وبين رد فعله على حادث رفح، وتساءلوا فى هذا الوقت، وهل دماء المصريين أصبحت رخيصة إلى هذا الحد؟!
فى صباح هذا اليوم الاثنين السادس من أغسطس، قام المشير طنطاوى بزيارة إلى مصابى حادث رفح الذين تم نقلهم من سيناء إلى مستشفى المعادى للقوات المسلحة، كانوا ثلاثة من المصابين هم: «حمدى فتحى على» وهو مصاب بطلق نارى فى الرأس، و«محمود أحمد حسين» مصاب بطلق نارى فى الرأس أيضًا، أما الثالث فهو «الجندى إبراهيم سعيد عبدالوهاب» وقد كان مصابًا بطلقات فى الصدر والفخذ، وكان هناك أربعة آخرون من الجرحى قد جرى احتجازهم للعلاج فى مستشفى كوبرى القبة العسكرى قام بزيارتهم فى وقت لاحق.
لقد التقى المشير بالجرحى وبرفقته اللواء سمير خلف الله مدير مستشفى المعادى العسكرى وعدد من الأطباء المعالجين.
• كان إبراهيم سعيد، وهو شاب مجند، ينتمى إلى إحدى القرى عندما رأى المشير طنطاوى يدخل عليه قال له: عاوزين حق مصر يا سيادة المشير.
•• رد المشير بالقول: طبعًا موش حنسيب حقكم ولا حق مصر.. انت اسمك ايه؟!
• قال إبراهيم: أنا جندى مجند إبراهيم سعيد عبدالوهاب.
•• المشير: ايه اللى حصل؟!
• قال إبراهيم: إمبارح، بعد أذان المغرب مباشرة، دخل علينا عدد كبير من المهاجمين، كانوا لابسين ملابس عسكرية زيتية، كانوا حوالى 35 شخصًا ضربونا بالرصاص، قبل ما نشرب الميه علشان نفطر، اترميت على الأرض، بعد إطلاق الرصاص عليّ، عملت نفسى ميت، لكن شوفتهم وعرفتهم!!
•• المشير: عرفتهم إزاى؟
• إبراهيم: يافندم أنا لى سنة ونص موجود فى المكان ده واللى أنا شوفتهم، شوفت ناس منهم قبل كدة، أنا عارفهم كويس وعارف لهجتهم!!
•• المشير: وبعدين؟
• إبراهيم: بعد ما ضربونا بالرصاص كانوا بيهنوا بعض ويهتفوا «الله أكبر الله أكبر»، وفضلت أتابعهم لغاية ما انقسموا نصفين، نصف أخذ المدرعة ومشيوا بها شمالًا باتجاه كفر أبو سالم، والمجموعة الثانية اتجهوا ناحية الأنفاق.
- صمت المشير لبعض الوقت، صافح الجندى الجريح وقال له: متخافش يا إبراهيم، حقكم كلكم حيرجع، وإحنا لا يمكن نفرط فى دم ولادنا أبدًا.
• • •
فى صباح اليوم ذاته، السادس من أغسطس 2012، عقد الرئيس محمد مرسى اجتماعًا بحضور عدد من كبار المسئولين من بينهم المشير حسين طنطاوى وزير الدفاع، واللواء أحمد جمال الدين وزير الداخلية، واللواء مراد موافى مدير المخابرات العامة وآخرين، واستمع الرئيس خلال هذا الاجتماع إلى تقرير من مدير المخابرات العامة، وتقرير آخر من مدير المخابرات الحربية، كما استمع إلى موقف وزير الداخلية والمعلومات المتوافرة حول الحادث.
وقد أكدت التقارير الثلاثة أن الحادث كان مخططًا له منذ فترة، وأنه تم بتخطيط مشترك بين عناصر مصرية وعناصر فلسطينية متطرفة.
وتقرر فى هذا الاجتماع أن يكون اللواء عبدالفتاح السيسى هو حلقة الوصل بين رئاسة الجمهورية والمجلس العسكرى بترشيح من المشير طنطاوى، وذلك لإطلاع الرئاسة أولًا بأول على تطورات الأوضاع وتحريات المخابرات الحربية حول الحادث ومرتكبيه.
ودار الحوار داخل الاجتماع أيضًا حول العملية «نسر» التى تقرر القيام بها للقضاء على العناصر الإرهابية المتطرفة فى سيناء، والقبض على مرتكبى جريمة رفح، والبدء فى تدمير الأنفاق التى تربط بين سيناء وقطاع غزة، لاسيما أن المعابر مفتوحة بين الجانبين، إلَّا أن المتحدث الرسمى باسم الرئاسة د.ياسر على صدح بأنه لم يصدر قرار رئاسى بتدمير جميع الأنفاق بين رفح وغزة.
فى هذا الوقت أعلنت القوات المسلحة عن عقدها مؤتمرًا صحفيًا فى اليوم ذاته السادس من أغسطس، بمبنى إدارة الشئون المعنوية للإعلان عن تفاصيل العملية «نسر»، كما وعدت مصادر بالقوات المسلحة بالكشف عن هوية المتورطين فى الحادث، لاسيما أن مصدرًا عسكريًا مسئولًا قال لوسائل الإعلام: «إن نتائج التحقيقات حول هوية المتورطين فى الحادث تضم الكثير من المفاجآت».
وقال: «إن من حق الشعب أن يعرف هذه المفاجآت التى ستعلنها القوات المسلحة بكل وضوح دون النظر لأى اعتبارات أخرى».
توقف المراقبون عند عبارتى: «مفاجآت، وإعلان النتائج دون النظر لأى اعتبارات أخرى»، وكان السؤال: ماذا يقصد المسئول العسكرى، بهذه العبارة التى تحمل رسائل لا تخفى على أحد؟
قبيل بدء العملية «نسر» كانت مصر قد حصلت على موافقة الحكومة الإسرائيلية على إدخال العديد من المعدات العسكرية والطائرات لمطاردة الإرهابيين داخل سيناء، وكان ذلك مؤشرًا مهمًا على أن الجيش قرر حسم الأمر هذه المرة.
وفى هذا اليوم وجه الرئيس (المعزول) محمد مرسى كلمة إلى الشعب قال فيها إنه أصدر أوامره للقوات المسلحة والشرطة للتحرك لمطاردة الإرهابيين والقبض عليهم، ووعد الرئيس بفرض السيطرة الكاملة على المناطق التى استُهدفت، وقال مطمئنًا ومتوعدًا فى الآن ذاته: «إن سيناء آمنة، وسيدفع المتورطون الثمن غاليًا، وإن القوات المسلحة قادرة على مطاردة وملاحقة المجرمين أينما وجدوا، وأن الأمر سيتصاعد اليوم للوصول إلى نتيجة حاسمة مع هؤلاء، وسيرون كيف يكون رد الفعل على هذا الجرم».
كان الغضب عارمًا فى الشوارع والبيوت، وكانت الدماء تغلى فى عروق الضباط والجنود فى كل أنحاء البلاد، وكان الجميع ينتظرون نتائج التحقيقات التى وعدت القوات المسلحة بإعلانها على الشعب.
فى عصر اليوم ذاته قام الرئيس محمد مرسى، يرافقه المشير طنطاوى ورئيس الأركان سامى عنان ووزير الداخلية اللواء أحمد جمال الدين بزيارة إلى العريش، إلَّا أنه لم يتمكن من زيارة موقع الحادث، خوفًا من أى تطورات غير محسوبة.
التقى الرئيس مرسى فى العريش كتيبة حرس الحدود رقم (101)، وتحدث للضباط والجنود الذين شاركوا فى اللقاء، وأعرب لهم عن أسفه الشديد لسقوط الشهداء والجرحى، وقال إن المصلحة العامة تتحقق بالتوصل إلى الجناة والجهة التى تدعمهم والأخذ بالثأر لشهدائنا حماة الوطن!!
فى هذا الوقت صرح اللواء مراد موافى لوكالة أنباء الأناضول ولصحيفتَىْ الأخبار والوطن بأن جهاز المخابرات العامة كانت لديه معلومات مؤكدة عن وجود تهديدات بالقيام بهجوم إرهابى يستهدف وحدات عسكرية فى سيناء قبل وقوع حادث رفح، وأن هذه المعلومات لم تشر إلى مكان أو توقيت الهجوم، وقال إن المخابرات العامة أبلغت الجهات المعنية بهذه المعلومات.
لقد أثار هذا التصريح حالة من الغضب الشديد لدى مؤسسة الرئاسة، ولدى المشير طنطاوى على السواء، خصوصًا أن المشير اعتبر أن الاتهام بالتقصير موجهًا إليه شخصيًا، فقام على الفور بمعاتبة اللواء مراد موافى على هذا التصريح، إلَّا أن اللواء موافى أكد أنه لم يقل سوى ما يرضى ضميره.
فى هذا الوقت طلبت رئاسة الجمهورية من مستشارها القانونى المستشار محمد فؤاد جاد الله الرد على هذا التصريح، فأصدر تصريحًا فوريًا نفى فيه علم الرئيس محمد مرسى بالتقرير الذى قدمه مدير المخابرات العامة وحذر فيه من احتمال وقوع العملية الإرهابية.
لم يقبل اللواء موافى محاولة تنصل البعض من المسئولية، فأصدرت المخابرات العامة بيانًا يرد على التصريح الذى أدلى به المستشار فؤاد جاد الله، حيث قال البيان: «إن جهاز المخابرات العامة جهة معلومات فقط وليس سلطة تنفيذية، وإن المعلومات التى كانت لديه بخصوص الحادث الإرهابى الذى وقع فى سيناء، تم إرسالها إلى صناع القرار والجهات المسئولة، وبهذا ينتهى دور الجهاز».
وكان هذا التصريح أيضًا بمثابة استفزاز للرئيس والمشير على السواء، أو بمثابة القشة التى قصمت ظهر العلاقة بين مدير المخابرات العامة وكبار المسئولين فى الدولة.
• • •
فى السابع من أغسطس أُعلن عن تشييع جثامين الشهداء الستة عشر من مسجد آل رشدان بمدينة نصر فى جنازة عسكرية يحضرها رئيس الجمهورية وقادة القوات المسلحة وكبار المسئولين.
وفى العاشرة والنصف من صباح هذا اليوم، كنت قد مضيت إلى مسجد آل رشدان للمشاركة فى الجنازة التى ستنطلق من هناك وصولًا إلى قبر الجندى المجهول بجوار «المنصة» بمدينة نصر..
كان الحشد كبيرًا، وكان الألم باديًا على الوجوه، ومع دخول النعوش إلى ساحة المسجد، ارتفعت أصوات أهالى الشهداء بالهتاف الممزوج بالبكاء والدموع..
كان المشهد رهيبًا، ستة عشر جثمانًا جرى لفُّها بعلم مصر، بينما بدا الذهول والحسرة على وجوه الجميع، ثم بعد قليل حضر إلى ساحة المسجد الفريق سامى عنان وعدد من القادة العسكريين، ثم حضر رئيس الوزراء د.هشام قنديل.
انتشر رجال الشرطة العسكرية يحيطون بالنعوش وكبار المسئولين، يساعدهم فى ذلك عدد من ضباط الشرطة ورجال الأمن المركزى الذين احتشدوا فى الخارج لتأمين سير الجنازة.
فور الانتهاء من أداء الصلاة على الجثامين، انفجر الغضب فى النفوس، وأُطلقت الهتافات المعادية ضد رئيس الجمهورية وضد رئيس الوزراء، حاول رجال الحرس الخاص وضباط وجنود الشرطة العسكرية دفع رئيس الوزراء إلى خارج المسجد سريعًا، إلَّا أن جمهور الغاضبين راحوا يلقون بالأحذية على د.هشام قنديل وكادوا يفتكون به وراحوا يطاردون جميع القيادات السياسية الأخرى ومن بينهم د.عبدالمنعم أبو الفتوح الذى حاول البعض الاعتداء عليه، وتكرر هذا الاعتداء ضد آخرين ومن بينهم نادر بكار القيادى فى حزب النور.
وعندما هبطت من المسجد، فوجئت بجمهور كبير يحملنى على الأكتاف، لتنطلق الهتافات مدوية، تطالب بإسقاط حكم المرشد.
تم حمل النعوش الستة عشر، على متن سيارات للجيش، واتجهت جميعها ونحن خلفها باتجاه قبر الجندى المجهول، وهناك كان الضباط والجنود والقادة فى انتظار وصول الرئيس، حملنى المواطنون مرة أخرى على الأكتاف وراح الهتاف يشتعل من جديد، مطالبين بالثأر وإعلان نتائج التحقيقات على الفور.
كان فى مقدمة الحضور هناك المشير حسين طنطاوى (رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وزير الدفاع) والفريق سامى عنان (رئيس الأركان) وأعضاء المجلس الأعلى ود.كمال الجنزورى (رئيس الوزراء السابق) ود.عصام شرف (رئيس الوزراء الأسبق) والسيد عمرو موسى (المرشح الرئاسى السابق) وحمدين صباحى (المرشح الرئاسى السابق) وعدد كبير من الوزراء الحاليين والسابقين وغيرهم.
كانت درجة الحرارة مرتفعة للغاية، ظل الحاضرون ينتظرون الرئيس الذى أعلن عن مشاركته فى الجنازة، انتشرت قوات الحرس الجمهورى لتحيط بالجنازة المنتظر انطلاقها بعد قليل، كانت كل المؤشرات تقول إن الرئيس قد تحرك من القصر الرئاسى متجهًا إلى المنصة.
وفجأة وبعد طول انتظار تم إبلاغنا بأن الرئيس عاد مرة أخرى إلى قصر الرئاسة، بعد أن تم قطع الطريق عليه لمنعه من المشاركة فى تشييع جثامين الشهداء.
مضى موكب الجنازة، يتقدمه المشير طنطاوى، وارتفعت الهتافات، سادت حالة من الهرج والمرج، جرى على إثرها إنهاء مراسم التشييع بعد أمتار قليلة.
كان المشير يشعر بالحرج، فقد كانت الهتافات تطالبه بالتدخل وإنهاء حكم الإخوان، كانت الأجواء متوترة للغاية، بينما راح بعض المشاركين فى العزاء يطاردون كل من يعرفون أنه ينتمى إلى جماعة الإخوان أو القوى المساندة لها، وقد لوحظ فى هذا الوقت غياب قيادات الإخوان عن المشاركة فى تشييع الجثامين.
فى هذا اليوم السابع من أغسطس وجَّه الرئيس محمد مرسى الدعوة لعدد من قادة الأحزاب السياسية لعقد اجتماع طارئ معهم فى قصر الاتحادية لإطلاعهم على آخر التطورات الراهنة، وكان من بين الحضور: د.سعد الكتاتنى «الحرية والعدالة»، د.عماد عبدالغفور «حزب النور»، أبو العلا ماضى «حزب الوسط»، د.عصام العريان «الحرية والعدالة»، د.صفوت عبدالغنى «التنمية والبناء»، د.أيمن نور «غد الثورة» وآخرون.
بدأ الرئيس الحديث بالوضع الراهن، وتعهد بالانتقام من قتلة الشهداء، وقال إنه يتابع سير التحقيقات بنفسه، وإنه لن يهدأ له بال إلَّا بعد الوصول للفاعلين والمحرضين.
ثم تحدث كبار المسئولين الأمنيين والعسكريين، لإطلاع قادة الأحزاب على آخر تطورات العملية العسكرية والأمنية، التى تجرى فى سيناء لإعادة الأمن والاستقرار والقبض على المتورطين.
كانت وسائل الإعلام الإسرائيلية قد بدأت حملة تستهدف إلصاق التهمة بحركة حماس، لم تكن هناك معلومات مؤكدة، أو أدلة دامغة، وإنما مجرد تحليلات سياسية ترتكن إلى بعض الشواهد التى لم تتأكد صحتها حتى هذا الوقت.
فى مقابل ذلك، كانت هناك اتهامات أخرى وجهها العديد من الساسة وبعض وسائل الإعلام رأت أن «إسرائيل» هى المستفيد الأول من وراء هذه الجريمة النكراء، وأنها وظّفت هذه العناصر ووفرت لها البيئة المناسبة لارتكاب جريمتها، إلَّا أن تلك الاتهامات لم تكن أيضًا تستند إلى معلومات وأدلة يقينية.
كانت هناك حلقة مفقودة، حول علاقة المنفذين للجريمة وبعض القوى داخل قطاع غزة، خصوصًا أنه جرى إغلاق الطريق ما بين خان يونس ورفح بعد عصر يوم تنفيذ العملية الإرهابية لتسهيل مرور الإرهابيين، وقد تساءل المحققون عن هوية هذه القوى، التى كانت تقف وراء التسهيلات التى قُدمت للمهاجمين.
وفى يوم الأربعاء 8 أغسطس دعا الرئيس لاجتماع لمجلس الدفاع الوطنى برئاسته وبحضور عدد من كبار المسئولين كان من أبرزهم: رئيس الوزراء هشام قنديل والمشير طنطاوى وزير الدفاع ورئيس الأركان الفريق سامى عنان ومدير المخابرات الحربية والاستطلاع اللواء عبدالفتاح السيسى وبقية أعضاء المجلس، اعترض أحد أعضاء المجلس على عدم وجود اللواء مراد موافى مدير المخابرات العامة فى الاجتماع ووجود شخص آخر، ليس عضوًا بالمجلس، وهنا فاجأ الرئيس مرسى جميع الحاضرين بالقول إنه أعفى اللواء موافى من منصبه وعيَّن بدلًا منه اللواء رأفت شحاتة الحاضر فى هذا الاجتماع. كان الخبر صادمًا، سادت حالة من الدهشة والوجوم وتساءل الجميع كيف ومتى ولماذا؟
وفى هذه الاجتماع كان الرئيس غاضبًا من التصريحات التى أدلى بها مدير المخابرات العامة اللواء مراد موافى والتى طالته شخصيًا، وكان أيضًا غاضبًا من عدم قدرة الشرطة العسكرية وقوات الأمن على السيطرة على الأوضاع الأمنية أثناء تشييع الجثامين، مما تسبب فى منعه من المشاركة فى الجنازة، والاعتداء على رئيس الوزراء وآخرين.
بعد انتهاء اجتماع مجلس الدفاع الوطنى بقليل، تم الإعلان عن القرارات المهمة والخطيرة، التى مهدت لأحداث الثانى عشر من أغسطس وانقلاب الرئيس على المشير وعلى المجلس العسكرى.
كان أخطر هذه القرارات هو الإعلان عن عزل مدير المخابرات العامة اللواء مراد موافى من منصبه بسبب التصريحات التى أدلى بها حول التقرير المقدم من الجهاز والذى سبق حادث رفح، كما تردد فى هذا الوقت.
كان القرار الثانى الذى اتخذه الرئيس محمد مرسى فى أعقاب اجتماع مجلس الدفاع الوطنى هو إبعاد اللواء نجيب عبدالسلام (قائد الحرس الجمهورى) والذى قيل إنه نصح الرئيس بالذهاب للمشاركة فى جنازة تشييع جثامين شهداء رفح دون مراعاة للمخاطر الأمنية، وعيَّن بدلًا منه اللواء محمد زكى الذى كان قائدًا للمظلات.
وطلب الرئيس من المشير تعيين بديل لقائد الشرطة العسكرية اللواء حمدى بدين، الذى اتُّهم بالتقصير فى حماية رئيس الوزراء عندما اعُتدى عليه داخل مسجد آل رشدان، فعيَّن المشير بدلًا منه اللواء إبراهيم الدماطى نائب قائد الشرطة العسكرية.
وطلب الرئيس من وزير الداخلية تعيين بديل للواء ماجد مصطفى كامل قائد الأمن المركزى لاتهامه بالتقصير، فعيَّن الوزير بدلًا منه اللواء عماد كامل، وكذلك أُقيل اللواء محسن مراد مساعد الوزير لأمن القاهرة وعيَّن بدلًا منه اللواء إسماعيل الصغير، كما أُقيل مدير شرطة رئاسة الجمهورية اللواء أحمد إيهاب؛ لأنه نصح الرئيس بعدم المشاركة فى جنازة الشهداء خوفًا على حياته، وقرر الرئيس أيضًا إقالة اللواء عبدالوهاب مبروك محافظ شمال سيناء متهمًا إياه بالتقصير فى أدائه وعدم التنبؤ بحادث رفح.
لقد كان قرار رئيس الجمهورية بالطلب من المشير إجراء التغييرات المطلوبة داخل المؤسسة العسكرية، بمثابة صدمة لأعضاء المجلس العسكرى، الذين طلبوا من المشير رفض هذه القرارات التى تمثل بداية تدخل من الرئيس فى المؤسسة العسكرية وهيكلتها، وهو أمر قد يمتد -إذا ما تم السماح به- إلى كبار المسئولين بالجيش.
كان القادة العسكريون يستندون فى موقفهم إلى المادة 53 مكرر من الإعلان الدستورى المكمل الصادر فى 17 من يونيو 2012، التى تنص على أن: «المجلس الأعلى للقوات المسلحة يختص بالتشكيل القائم وقت العمل بهذا الإعلان الدستورى بتقرير كل ما يتعلق بشئون القوات المسلحة وتعيين قادتها ومد خدمتهم، ويكون لرئيسه حتى إقرار الدستور الجديد جميع السلطات المقررة فى القوانين واللوائح للقائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع».
كان هذا النص عائقًا أمام رئيس الجمهورية الذى لم يكن قائدًا أعلى للجيش حتى هذا الوقت، خاصة أن الإعلان الدستورى الصادر فى 30 من مارس 2011 أو الإعلان الدستورى المكمل لم ينص أى منهما على وجود منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة، إلَّا أن الرئيس كان يرى منذ خطابه الأول أثناء تسليمه مراسم السلطة فى «الهايكستب» فى 30 من يونية 2012، أنه هو المسئول عن الجيش وأن بإمكانه أن يأمرهم ويصدر إليهم التعليمات.
حدثت حالة ارتباك داخل أوساط القيادات العليا للجيش فى هذا الوقت، ثار عدد من أعضاء المجلس العسكرى وطالبوا المشير برفض تنفيذ القرار، إلَّا أن المشير قال لهم: «يجب تفادى الأزمة وتفويت الفرصة؛ خوفًا من تردى الأوضاع المتوترة بعد حادث رفح».
وفى هذا الاجتماع الذى عُقد يوم الخميس 9 من أغسطس 2012 بحضور كامل أعضاء المجلس العسكرى؛ سأل أحد الأعضاء المشير طنطاوى وماذا إذا اتخذ الرئيس قرارًا بإقالة قيادات الجيش؟ فوجئ المشير بالسؤال، صمت ثم قال سيكون لكل حادث حديث ولا أظن أن الرئيس يفعلها!!
كان الكثيرون يبدون اعتراضهم فى السابق على قبول المشير منصب وزير الدفاع فى حكومة قنديل، وعندما ناقش معهم الأمر طالب بعضهم بألَّا يؤدى القَسَم أمام الرئيس، لأن الإعلان الدستورى المكمل يعطيه الحق فى ذلك، وبعد جدل طويل، وافق البعض على أن يؤدى المشير القَسَم، ولكن دون إذاعته فى وسائل الإعلام، واتفق الحاضرون على ألَّا يحضر المشير أى اجتماعات لمجلس الوزراء إلَّا إذا ترأسها الرئيس نفسه.
كان المشير يحاول أن يتفادى الأزمات، لكنه حتى هذا الوقت لم يكن يعرف ماذا تخبئ له الأقدار، فقرر أن يؤدى القَسَم رغم أنه ظل لمدة ثلاثة أيام عندما أُعيد اختياره وزيرًا للدفاع فى حكومة أحمد نظيف يرفض الانضمام إلى الحكومة شعورًا منه بالإهانة.
عندما أذاع التليفزيون المصرى مشهد المشير طنطاوى وهو يقف فى الطابور لأداء القَسَم ويقف منتظرًا أداء الآخرين لقَسَم التكليف كان الأمر مثيرًا للجميع.
وكانت الغضبة داخل المجلس العسكرى كبيرة؛ فقد اعتبر البعض أن تنازلات المشير، لن تؤدى إلَّا إلى مزيد من تغوُّل الرئيس وإساءة استخدامه للسلطة، بما سيؤدى إلى تطورات خطيرة فى البلاد.
حاول المشير تهدئة الغضب الذى ساد جميع الأوساط العليا للجيش المصرى، وكذلك الحال بالنسبة لرجال الشرطة العسكرية، فأصدر بصفته رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وزير الدفاع قرارًا بتعيين اللواء حمدين بدين مساعدًا لوزير الدفاع لشئون سيناء، وما إن تمت إذاعة التليفزيون المصرى لهذا الخبر حتى ثار الرئيس وطلب من المشير طنطاوى التراجع عن هذا القرار، لأنه يحمل ترقية وتكريمًا للواء حمدى بدين، فاضطر المشير إلى التراجع وتعيين اللواء حمدى بدين ملحقًا عسكريًا بالصين.
تصاعدت حدة الاستياء داخل المجلس الأعلى للقوات المسلحة بعد هذا التراجع الجديد، حيث أدرك الكثيرون أن خوف المشير على الجيش ووحدته سيدفعه إلى مزيد من التنازلات، وكان من رأى البعض فى هذا الوقت أنه من الأكرم للمشير أن يقدم استقالته احتجاجًا.
أدرك المشير أن الغضبة واسعة، التقى بعض أعضاء المجلس الأعلى، قال لهم: أرجو تفويت الفرصة، أمريكا تقف بالمرصاد، إنهم ينتظرون هذه اللحظة، لقد جاءت هيلارى كلينتون فى 14 من يوليو الماضى لتصنع الأزمة وتدفع إلى التصعيد، إن المطلوب هو رأس الجيش المصرى، هدفنا الأساسى الآن حماية سيناء قبل أن تضيع، لا نريد مشكلات أو أزمات داخلية، لكن كل هذا الكلام لم يقنع أحدًا، فقد أدرك الكثيرون أن سلوك المشير سوف يغرى رئيس الدولة بالإطاحة به وبالإعلان الدستورى المكمل، ليتمكن من الاستيلاء على جميع مفاصل الدولة وإصدار دستور يلبى مطالب جماعة الإخوان.
وفى المخابرات العامة كان قرار إقالة اللواء مراد موافى صادمًا، وقد شهد مبنى المخابرات العامة للمرة الأولى تظاهرة حاشدة من العاملين المدنيين بالجهاز تطالب بعودة اللواء مراد موافى لمنصبه، حيث اعتبر أعضاء الجهاز أنه تعرض لظلم كبير، بلا سبب مبرَّر.
وفى اليوم نفسه أيضًا الثامن من أغسطس 2012، شهدت البلاد حدثًا آخر، إذ وافق مجلس الشورى على عدة قرارات أطاح فيها رئيس المجلس بأكثر من خمسين قيادة صحفية من رؤساء مجالس إدارات ورؤساء تحرير بالمؤسسات القومية المختلفة، اعتُبروا من أنصار النظام السابق، رغم أن بعضهم تم اختياره فى أعقاب الثورة، غير أن المخطط كان يمضى سريعًا نحو أخونة الصحافة، بعد السيطرة على الإعلام الرسمى فى أعقاب اختيار كادر إخوانى معروف هو «صلاح عبدالمقصود» وزيرًا للإعلام.
لم ينل قرار التغييرات الصحفية اهتمامًا واسعًا فى خضم الجدل الدائر حول حادث رفح وتداعياته، إلَّا أن صدور القرار فى هذا الوقت تحديدًا، كان يعنى أيضًا تهيئة المسرح لحدث كبير قادم فى الطريق، غير أن الكافة تعاملوا مع الأمر وكأنه حدث طبيعى وليس أكثر!
فى اليوم التالى التاسع من أغسطس، انتظر المصريون صدور بيان من القوات المسلحة يكشف عن هوية المتورطين فى حادث رفح، خصوصًا بعد توجيه اتهامات ضد أطراف فلسطينية متشددة داخل قطاع غزة، عبر الشائعات التى انتشرت فى الأوساط الشعبية والإعلامية فى هذا الوقت.
طلب المشير طنطاوى من الرئيس مرسى الإذن بإعلان نتائج التحقيقات الأولية وأبلغه بمضمون ما توصلت إليه التحقيقات، إلَّا أن الرئيس طلب تأجيل الإعلان لحين يتم التوصل إلى المعلومات الكاملة حول هوية وأسماء جميع المتورطين.
ورغم غضبة المشير وإلحاحه الشديد، فإن الرئيس مرسى كان حاسمًا فى هذا الأمر، وأصر على تأجيل إعلان التحقيقات، وهو أمر ترك علامات استفهام عديدة؟
انتظر النـاس إعلان نتائج التحقيقات الأولية، إلَّا أن الصراع كان قد حسم لمصلحة ما أراده الرئيس والتزم المشير الصمت وحاول تفادى الأزمة، مما أثار استياء الكثيرين من حوله.
فى هذا الوقت تساءل المصريون: ماذا حدث؟، ولماذا تأجيل الإعلان؟ انتشرت الشائعات فى كل مكان، كانت الأجواء محتقنة، ازدادت حدة الخلافات بين المجلس العسكرى والرئيس، لكنها ظلت خلافات مكتومة، ودون إعلان.
فى هذا الوقت تسربت معلومات تقول إن حركة «حماس» قد طلبت من كبار المسئولين المصريين تأجيل إعلان أسماء المتهمين الفلسطينيين الذين ينتمون إلى فصائل تكفيرية متطرفة، حتى لا يحدث أى اضطراب فى العلاقات بين الشعبين المصرى والفلسطينى بسبب مشاركة بعض من العناصر الجهادية الفلسطينية فى الحادث، كما أشارت التحقيقات الأولية.
ووفقًا لتصريح منسوب إلى مصدر أمنى مسئول إلى صحيفة «المصرى اليوم»، فقد تم اتخاذ قرار التأجيل عنوة -رغم رفض المؤسسة العسكرية- لثلاثة أسباب، هى:
1- حتى تهدأ الأجواء وتتضح الحقائق أمام الشعب المصرى الذى يجب ألَّا يخلط بين حركة حماس أو الفصائل الفلسطينية الأخرى وبين الجماعات الجهادية التكفيرية.
2- حتى تكتمل التحقيقات التى تجريها النيابة العسكرية فى الأحداث ويتم التوصل إلى جميع الأطراف المتورطة، لاسيما أن التحقيقات توسعت بشكل كبير، وتدخلت فيها أطراف متعددة، وهو ما يتطلب مزيدًا من الوقت والجهد.
3- إعطاء الفرصة والوقت الكافيين للجهات الأمنية فى حركة حماس حتى تستطيع القبض على المتهمين وتسليمهم لجهات التحقيق المصرية، حيث إن التحقيقات أثبتت أن المتهمين الفلسطينيين فرُّوا إلى قطاع غزة عبر الأنفاق بعد تنفيذ الجريمة.
لقد صرح د.ياسر على (المتحدث الرسمى باسم رئاسة الجمهورية)، فى هذا الوقت بأن الرئاسة ستعلن فى تقرير كامل نتائج التحقيق والمعالجة الوقائية للأحداث، غير أنه نفى ضلوع أى من المفرج عنهم من الذين صدرت بحقهم أحكام من الجماعات المتشددة فى مصر فى هذه الأحداث.
وفى يوم الجمعة 10 من أغسطس، كانت هناك تجمعات جماهيرية فى التحرير ومدينة نصر تطالب بإعلان نتائج التحقيقات كاملة حول حادث رفح والثأر للشهداء، بينما غاب الإخوان والسلفيون عن هذه التظاهرات التى اقتصرت على بعض الأحزاب والقوى الثورية وجمهور غفير من المواطنين.
وفى اليوم ذاته كان الرئيس محمد مرسى يؤدى صلاة الجمعة فى مسجد الحصرى بمدينة 6 أكتوبر، حيث ألقى خطابًا بعد انتهاء الصلاة وسط الحاضرين قال فيه إنه يقود بنفسه العمليات الجارية فى سيناء لتطهيرها من الإرهابيين، وأن هذه العمليات لن تتوقف حتى تستقر الأحوال الأمنية فى سيناء تمامًا.
لقد توقف المراقبون أمام مقولة أطلقها الرئيس مرسى خلال هذا الخطاب عندما قال: «سأؤدب المتجاوزين من المواطنين أو الجيش أو الشرطة»، إلَّا أن أحدًا لم يكن يستطيع أن يتخيل وقائع ما شهدته الأيام التالية.
فى هذا الوقت كان الإعلامى توفيق عكاشة قد أطلق تحذيرًا من شاشة قناة «الفراعين» إلى المشير طنطاوى ورئيس الأركان سامى عنان، وقال لهما: «أنا أحذركما.. خلال 48 ساعة سيتم الإطاحة بكما بقرار من الرئـيس»، واعتبر البعض أن هذه الأقاويل هى من باب المخاوف الطبيعية وليس أكثر.
بعد انتهاء الرئيس من خطابه فى مسجد الحصرى قرر السفر إلى مدينة العريش ومنها إلى رفح لمتابعة العمليات التى تقوم بها القوات المسلحة لتطهير سيناء من البؤر الإرهابية.
لقد وصل الرئيس فى وقت مبكر من المساء يرافقه المشير حسين طنطاوى )وزير الدفاع( ورئيس الأركان الفريق سامى عنان، ووزير الداخلية اللواء أحمد جمال الدين، وعدد من القيادات العسكرية والأمنية.
فى هذا الوقت نقلت صحيفة «الأهرام» عن مسئول أمنى بارز تأكيده نجاح القوات المشتركة فى عملية «نسر سيناء» فى القبض على ستة من العناصر المتطرفة فى مدينة الشيخ زويد يوم الخميس 10 أغسطس وإصابة مسلحين فى مناطق أخرى، وقال المصدر: «إن أجهزة الأمن نجحت فى تحديد شخصية قائد التنظيمات المسلحة المسئولة عن العمليات الإرهابية فى سيناء، وأنه فلسطينى الجنسية وينتمى إلى ما يعرف بجيش «جلجلة» فى غزة».
كان أكثر من 3500 ضابط وجندى يشاركون فى عملية «نسر سيناء» تدعمهم 87 مدرعة وطائرتان هليكوبتر قتاليتان، إضافة إلى 60 مدرعة جديدة و117 آلية أخرى وصلت يوم الخميـس، وكانت التوقعات تشير إلى أن عدد المسلحين حوالى 1600 مسلح ينتمون لعدة محافظات مصرية، فضلًا عن انتماء آخرين لدول عربية مجاورة، ويطلقون على أنفسهم أصحاب «الرايات السوداء».
وصل الرئيس مرسى إلى العريش وسط إجراءات أمنية لم يسبق لها مثيل، توجه وكبار المسئولين إلى المنطقة الحدودية الشرقية فى رفح فى حوالى الخامسة من مساء اليوم ذاته 10 أغسطس.
لم يكن الرئيس قد أصدر قرارًا بتعيين محافظ جديد لشمال سيناء فى هذا الوقت، فكان اللواء مدحت صالح رئيس مجلس مدينة العريش فى استقباله، وعندما وصل الرئيس إلى منطقة رفح اصطحب فى سيارته المشير طنطاوى ورئيس الأركان سامى عنان، ووسط الجنود والضباط قام اعتلى كرسيًا ليخطب فيهم، وإلى جواره وقف وزير الدفاع من الناحية اليسرى ورئيس الأركان من الناحية اليمنى.
بعد انتهاء زيارة الرئيس إلى سيناء طلب من المشير طنطاوى ضرورة عقد اجتماع فى الحادية عشرة من مساء اليوم ذاته للمجلس الأعلى للقوات المسلحة بحضوره شخصيَّا، إلَّا أنه طلب من المشير أن يقتصر حضور الاجتماع على أعضاء المجلس الأعلى الـ18 الأساسيين مع استبعاد كل المستدعين من الخدمة والذين ضمَّهم المشير إلى المجلس العسكرى طيلة الفترة السابقة، ولم يستطع المشير أن يرفض طلب الرئيس، وقرر بالفعل قصر الاجتماع على الأعضاء الأساسيين للمجلس العسكرى، وكان ذلك تنازلًا جديدًا من المشير أثار استياء الكثيرين من أعضاء المجلس.
فى هذا الاجتماع تحدث الرئيس عن تطورات الوضع فى سيناء وعن الأسباب التى دفعته إلى عدم نشر مضمون التحقيقات الأولية فى قضية استشهاد وإصابة الجنود فى رفح.. وتجاهل الرئيس فى حديثه أمام المجلس العسكرى الحديث عن أسباب قراراته الأخيرة بإبعاد قائد الشرطة العسكرية وآخرين، إلَّا أنه تحدث مطولًا عن المؤسسة العسكرية وضرورة النهوض بها وتوفير جميع الإمكانيات الضرورية لها.
كان الرئيس يستهدف من وراء هذا الاجتماع استمالة أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وكأنه يمهد الطريق أمام قرارات صعبة يريد منهم، إن لم يكونوا إلى جواره فيها، فعلى الأقل يلتزمون بسياسة الحياد.
انتهى الاجتماع فى وقت متأخر من بعد منتصف الليل، بينما كانت الحشود قد انفضَّت منذ قليل من ميدان التحرير ومنطقة المنصة، وهى حشود كانت تطالب بمحاسبة المتسببين والمتورطين فى ارتكاب الحادث الإرهابى ضد الجنود المصريين فى رفح. لقد لوحظ حتى هذا الوقت أن رد فعل جماعة الإخوان المسلمين تجاه حادث رفح لم يكن قويًا، وتميز بعدم الاكتراث، بل إن بعض قادة الجماعة راحوا يحمّلون المؤسسة العسكرية مسئولية ما حدث، ويطالبون بتسليم الرئيس كامل سلطاته، ولم يكن أحد يعرف ما كُنه هذه السلطات التى فى حوزة المجلس العسكرى، باستثناء سلطة التشريع، وهى سلطة أصيلة للمجلس فى غياب البرلمان.
كان حادث رفح يغطى على ما عداه من أحداث. كان الناس يتساءلون فى كل مكان عن هوية القتلة، ومتى يُكشف النقاب عنهم؟ كانت المعلومات الأولية تقول إن نتائج التحقيقات التى كان يُفترض إعلانها يوم الخميس 9 أغسطس 2012 تشير إلى أن الجثث الخمس التى تسلمتها مصر من إسرائيل هى لعناصر فلسطينية قُتلت وهى فى طريقها إلى القيام بعملية فدائية ضد الجيش الإسرائيلى فى منطقة كفر أبو سالم، كما أن مصدرًا عسكريًا مصريًا قال فى هذا الوقت إن نتائج التحقيقات تضم الكثير من المفاجآت، ومن حق الشعب أن يعرفها، وسنعلنها بوضوح دون النظر إلى أى اعتبارات أخرى.
وعندما نُشر هذا التصريح أدرك المصريون أن هناك أزمة تتصاعد بين الجيش والرئاسة، وتوقف المراقبون أمام كلمة «دون النظر إلى أى اعتبارات أخرى»!!
فى هذا الوقت كانت قد وصلت إلى الأجهزة الاستخبارية المصرية معلومات تتحدث عن تسلل بعض العناصر الفلسطينية المتشددة إلى داخل سيناء ومصر، تحمل بطاقات رقم قومى مصرية وتنتحل أسماء مصريين، راجعت الجهات العسكرية مصلحة الأحوال المدنية فى هذا الوقت، ووضح لها أن ما تردد عن سرقة ماكينات طباعة الرقم القومى من مصلحة الأحوال المدنية فى سيناء وتهريبها إلى قطاع غزة واستخدامها بشكل غير شرعى، هو أمر جد ولا هزل فيه.
فى هذا الوقت صرح وزير الداخلية اللواء أحمد جمال الدين، بأن سبعة أشخاص مشتبه فى تورطهم فى حادث قتل الجنود المصريين على الحدود قد تم تحديد هويتهم، وكان الجيش قد قبض على 99 شخصًا ممن تدور حولهم الشبهات، وقيل إنه تم اكتشاف معلومات مهمة عن العناصر المتسللة عبر الأنفاق ببطاقات هوية مصرية، وكذلك حجم التنسيق بين العناصر الجهادية المصرية داخل سيناء وعناصر أخرى تنتمى إلى تنظيمات متطرفة داخل قطاع غزة.
كان جهاز المخابرات الحربية يقدم المعلومات أولًا بأول إلى جهات التحقيق، وقد وضع الجهاز )الذى كان يترأسه اللواء عبدالفتاح السيسى فى هذا الوقت(، يده على معلومات فى منتهى الخطورة، وكان من رأيه ضرورة الإعلان عن الحقائق كاملة؛ لإبراء ساحة القوات المسلحة من أى اتهامات قد تلحق بها بزعم عدم إفصاحها عن هوية القتلة.. إلَّا أن الأيام مضت دون الإعلان عن هوية القتلة بعد صدور تعليمات من رئاسة الجمهورية بالانتظار تحت زعم استكمال التحقيقات، غير أن الأقدار كانت تحمل المزيد من المفاجآت.