بين البحر واليابسة.. مشروع عملاق يعيد رسم خريطة النقل البحري في مصر
في الإسكندرية، حيث تعانق الأمواج ذاكرة التاريخ، لا تبنى الموانئ بوصفها أرصفة من حجر وحديد فحسب، بل كامتدادٍ لفكرةٍ أقدم من التجارة نفسها؛ فكرة العبور.
فكل سفينة تقترب من الشاطئ تحمل معها حكايات غير مكتملة، وكل حاوية تفرغ على اليابسة تعيد صياغة معنى التواصل بين الشعوب.

مساحات للتلاقي
فالموانئ، في جوهرها، ليست نقاط وصول، بل مساحات للتلاقي بين ما هو بعيد وما هو ممكن؛ فحين تتسع هذه المساحات، لا يتغير شكل التجارة فقط، بل يتغير إدراكنا للزمن والمسافة؛ إذ يصبح العالم أكثر تقاربًا، وأكثر اعتمادًا على تلك العقد الخفية التي تربط أطرافه.
وفي هذا السياق، تتحول المشروعات الكبرى إلى ما يشبه الجسور غير المرئية، التي لا تنقل البضائع وحدها، بل تنقل معها طموحات الدول، وإرادة التطور، وسعي الإنسان الدائم إلى تجاوز حدوده، ليس فقط جغرافيًا، بل فكريًا واقتصاديًا أيضًا.
المحطة متعددة الأغراض
بدأت القصة في قلب الإسكندرية، وعلى امتداد واحد من أعرق الموانئ في البحر المتوسط، حيث يتشكل مشروع استراتيجي جديد ينتظر أن يحدث نقلة نوعية في قطاع النقل البحري، وهو مشروع المحطة متعددة الأغراض بميناء الإسكندرية، الذي يعد أحد أبرز المشروعات القومية الهادفة إلى تعزيز مكانة مصر كمركز لوجستي إقليمي.

موقع وإمكانات ضخمة
تقع المحطة على الأرصفة من 55 إلى 62 داخل ميناء الإسكندرية، وتمتد على مساحة تُقدر بنحو 560 ألف متر مربع، بأطوال أرصفة تصل إلى حوالي 2480–2500 متر، وأعماق تصل إلى 17–17.5 متر، وهو ما يؤهلها لاستقبال السفن العملاقة ذات الغاطس الكبير.
وتستهدف المحطة تحقيق طاقة تداول سنوية تتراوح بين 15 و18 مليون طن من البضائع، بالإضافة إلى تداول نحو مليون و250 ألف حاوية، مع القدرة على استقبال ما بين 6 إلى 7 سفن في وقت واحد، وهو ما يعكس حجم الطموح الذي يقف وراء هذا المشروع.
منظومة متعددة الأنشطة
تتميز المحطة بتنوع أنشطتها، حيث تنقسم إلى ثلاث مناطق رئيسية للتداول تشمل الحاويات، والبضائع العامة، والسيارات، بما يتيح مرونة تشغيلية عالية وقدرة على تلبية احتياجات الأسواق المختلفة.
كما تضم ساحات تداول تصل مساحتها إلى نحو نصف مليون متر مربع، ما يوفر بنية تحتية متطورة تدعم العمليات اللوجستية بكفاءة، ويعزز من سرعة تداول البضائع وتقليل زمن الانتظار.

من الماء لليابسة
لم يكن تنفيذ المشروع مهمة سهلة، إذ واجه تحديات هندسية كبيرة، أبرزها أن نحو 85% من مساحة الموقع كانت عبارة عن مسطحات مائية بعمق يتراوح بين 7 و12 مترًا. وقد تطلب ذلك تنفيذ أعمال ردم ضخمة بلغت نحو 10 ملايين متر مكعب من الرمال، تم جلبها باستخدام الكراكات من داخل البحر.
وبعد الانتهاء من أعمال الردم حتى منسوب +3.00 متر، جرى تنفيذ أعمال تحسين التربة، إلى جانب إنشاء البنية الأساسية للأرصفة والساحات وفق أحدث المعايير العالمية، بما يضمن استدامة المنشآت وقدرتها على تحمل الأحمال الثقيلة للسفن والمعدات.
معايير عالمية وشراكات دولية
حرصت المجموعة المصرية للمحطات متعددة الأغراض (EGMPT) على تنفيذ المشروع وفق أعلى المواصفات الدولية، حيث تم التعاقد مع أحد المكاتب الاستشارية العالمية لمراجعة التصميمات وضمان مطابقتها لمتطلبات شركات الشحن الكبرى.

وفي إطار الاستعداد للتشغيل، تم اختيار شريك عالمي لإدارة وتشغيل المحطة، حيث فازت شركة CMA CGM بالمشاركة بنسبة 32%، وهو ما يعكس ثقة الشركات العالمية في قدرات الموانئ المصرية، ويسهم في نقل الخبرات الفنية والتشغيلية إلى الكوادر المحلية.
تكامل لوجستي
يمثل المشروع حلقة وصل مهمة ضمن منظومة لوجستية متكاملة، حيث يرتبط بالمناطق اللوجستية الخلفية للميناء، وكذلك بالميناء الجاف في مدينة 6 أكتوبر عبر شبكة السكك الحديدية، ما يعزز من كفاءة نقل البضائع من وإلى مختلف أنحاء الجمهورية.
كما قامت هيئة ميناء الإسكندرية بتعميق الممرات الملاحية لاستيعاب السفن الحديثة ذات الأحجام الكبيرة، وهو ما يدعم تنافسية الميناء على المستوى الدولي.

استثمار وتأثير استراتيجي
تبلغ التكلفة الإجمالية للمشروع نحو 550 مليون دولار، وهو استثمار يعكس حجم الأهمية التي توليها الدولة لتطوير قطاع النقل البحري. ومن المتوقع أن يسهم المشروع في رفع تصنيف ميناء الإسكندرية عالميًا، وزيادة قدرته على جذب الخطوط الملاحية الكبرى.
نحو مستقبل أكثر تنافسية
وفي النهاية لا يعد مشروع المحطة متعددة الأغراض مجرد توسعة لميناء قائم، بل يمثل خطوة استراتيجية نحو إعادة تموضع مصر على خريطة التجارة العالمية، من خلال تطوير موانئها وتحويلها إلى مراكز متكاملة للخدمات اللوجستية.

ومع اقتراب اكتمال المشروع، تتجه الأنظار إلى ما سيحدثه من تأثير في حركة التجارة، ليس فقط على مستوى مصر، بل على مستوى المنطقة بأكملها، في ظل عالم يتسابق نحو السرعة والكفاءة في نقل البضائع.



