يخدم 170 ألف نسمة بالإسكندرية.. مشروع يحول النفايات لوعد مؤجل بالحياة
في الإسكندرية، حيث يلتقي البحر بتاريخٍ طويل من التحولات الإنسانية، تبرز مشروعات البنية التحتية كامتداد لفلسفة أعمق تتجاوز مجرد الإنشاء والتطوير، لتلامس جوهر العلاقة بين الإنسان وموارده.
فالماء، الذي كان دومًا رمزًا للحياة، يتحول في سياق المدن الحديثة إلى معادلة معقدة بين الاستهلاك وإعادة التدوير، بين الضرورة والوعي.

برج العرب
ليصبح مشروع محطة معالجة الصرف الصحي والصناعي ببرج العرب أكثر من مجرد مشروع خدمي؛ إنه تجسيد لفكرة أن التقدم الحقيقي لا يقاس فقط بما نستهلكه، بل بما نحسن إدارته ونعيد توظيفه، في رحلة مستمرة نحو تنمية أكثر وعيا واتزانًا.
في إطار توجه الدولة المصرية نحو تعزيز كفاءة البنية التحتية، يبرز مشروع إعادة تأهيل وتوسعة محطة معالجة الصرف الصحي والصناعي بمدينة برج العرب كأحد المشروعات الحيوية التي تعكس هذا التوجه، لما له من تأثير مباشر على تحسين جودة الحياة ودعم النشاط الصناعي في واحدة من أهم المدن الجديدة بمحافظة الإسكندرية.
التكلفة 436 مليون جنيه
يأتي المشروع بتكلفة إجمالية تقدر بنحو 436 مليون جنيه، مستهدفًا رفع كفاءة محطة المعالجة القائمة وتحويلها إلى منظومة حديثة تعتمد على نظام برك الأكسدة، بما يسمح بالتعامل مع كميات أكبر من مياه الصرف الصحي والصناعي، مع تحسين جودة المعالجة وإتاحة فرص إعادة الاستخدام الآمن للمياه.
يخدم 170 ألف نسمة
المشروع العملاق يخدم نحو 170 ألف نسمة موزعين على 13 حيًا سكنيًا تضم أكثر من 450 ألف وحدة، فضلًا عن 10 مناطق صناعية، وهو ما يضعه في قلب خطط التنمية العمرانية والصناعية بالمدينة.
بنية تحتية متطورة
يتضمن المشروع حزمة واسعة من الأعمال الهندسية والإنشائية، في مقدمتها إنشاء خطوط نقل رئيسية لمياه الصرف، حيث يتم تنفيذ خط انحدار باستخدام مواسير خرسانة مسلحة سابقة الإجهاد بقطر 1000 مم، يمتد لمسافة 4.42 كيلومتر، لربط محطة المعالجة بمحطة طلمبات الكيلو 34.5.

بالإضافة إلى خط طرد مماثل بقطر 1000 مم، بطول يصل إلى 10.5 كيلومتر، لتسهيل نقل المياه المعالجة بكفاءة عالية.
كما يشمل المشروع إنشاء 6 أحواض جديدة بنظام برك الأكسدة، بواقع 3 أحواض مخصصة للصرف الصناعي و3 للصرف الصحي، مع تنفيذ شبكات الربط اللازمة باستخدام مواسير زهر مرن بقطر 800 مم، إضافة إلى غرف المحابس.
فصل الصرف الصناعي عن الصحي
من أبرز ملامح المشروع تطبيق نظام فصل الصرف الصناعي عن الصرف الصحي، وهو ما يحقق كفاءة أعلى في عمليات المعالجة، ويحد من التأثيرات السلبية للمخلفات الصناعية على البيئة.
ويعزز هذا التوجه من فرص إعادة استخدام المياه المعالجة في الأغراض المختلفة، خاصة في الري أو الاستخدامات الصناعية، بما يدعم خطة الدولة لترشيد استهلاك المياه.
إعادة التأهيل الشامل
لا يقتصر المشروع على التوسعة فقط، بل يمتد ليشمل إعادة تأهيل شاملة للبنية الحالية، حيث يتم تطوير 18 حوض معالجة قائم، منها 9 أحواض للصرف الصحي و9 للصرف الصناعي، وكذا إنشاء حوضين لا هوائيين لتحسين مراحل المعالجة الأولية.
بالإضافة إلى رفع كفاءة المباني الإدارية القائمة، إلى جانب مبنى الكلور ومحطة الطلمبات وموزع الكهرباء، وكذا تحديث التركيبات الميكانيكية والكهربائية بما يتوافق مع أحدث المعايير الفنية.
أثر اقتصادي وبيئي
فيما يمثل المشروع ركيزة أساسية لدعم التنمية في مدينة برج العرب، التي تعد أحد أهم المراكز الصناعية في مصر.
فمن خلال تحسين خدمات الصرف الصحي والصناعي، يسهم المشروع في تهيئة بيئة مناسبة للاستثمار، وتقليل المخاطر البيئية الناتجة عن التصريف غير المعالج.
كما ينعكس المشروع إيجابيًا على الصحة العامة للسكان، عبر الحد من التلوث وتحسين جودة المياه، فضلًا عن توفير موارد مائية بديلة يمكن إعادة استخدامها.

رؤية تطوير المياه
يأتي هذا المشروع ضمن استراتيجية أوسع تتبناها الدولة المصرية لتطوير قطاع مياه الشرب والصرف الصحي، حيث شهدت السنوات الأخيرة تنفيذ عشرات المشروعات في مختلف المحافظات، باستثمارات تُقدر بمليارات الجنيهات، بهدف تحسين مستوى الخدمات وتحقيق الاستدامة المائية.
وفي النهاية، تمثل محطة معالجة برج العرب نموذجًا متكاملًا لمشروعات البنية التحتية الحديثة، التي تجمع بين البعد الخدمي والاقتصادي والبيئي، وتؤكد أن الاستثمار في هذا القطاع لم يعد رفاهية، بل ضرورة لضمان مستقبل أكثر استدامة للأجيال القادمة.
فمشروعات معالجة الصرف الصحي لا تمثل فقط حلولًا تقنية لمشكلة بيئية، بل تعكس إدراكا متناميا بأن الاستدامة لم تعد خيارًا، بل شرطًا للبقاء؛ فكل قطرة تعاد معالجتها هي بمثابة استعادة للتوازن المفقود بين الإنسان والطبيعة، وكل بنية تحتية تقام هي تعبير عن إرادة جماعية لإعادة صياغة المستقبل.



