رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

سلاح الضوء والتنمية.. مشروع يحول الكهرباء من خيار تقني لأولوية وطنية

تعبيرية
تعبيرية

في جوهر الحضارة الإنسانية، لم تكن الطاقة مجرد وسيلة لتشغيل الآلات، بل كانت دائماً تعبيراً عن قدرة الإنسان على السيطرة على الفوضى وبناء النظام؛ والكهرباء، بوصفها شريان الحياة الحديثة، لم تعد رفاهية تُقاس بمدى توافرها، بل أصبحت معياراً خفياً لكرامة الإنسان واستقرار المجتمعات.

فحين تضيء المدن بلا انقطاع، لا يضيء الضوء الشوارع فقط، بل يبدد أيضاً مخاوف العتمة الاقتصادية والاجتماعية.

ومن ذاك المنطلق تحصر الدولة المصرية على تأمين الطاقة الكهربائية حيث لم يعد مجرد التزام خدمي، بل هو فعل سيادي يعكس إدراكاً عميقاً بأن الاستقرار يبدأ من القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية بكفاءة واستدامة.

وعد بالحياة

فالكهرباء هنا ليست مجرد تيار يسري في الأسلاك، بل هي وعد ضمني بالحياة المنتظمة، والتعليم المستمر، والصناعة التي لا تتوقف.

ليتحول مشروع الطاقة من كونه بنية تحتية إلى رؤية فلسفية؛ رؤية ترى في كل واط يتم توفيره خطوة نحو المستقبل، وفي كل جهدٍ لترشيد الاستهلاك حفاظاً على حق الأجيال القادمة.

فالمعادلة لم تعد إنتاجاً فقط، بل وعياً أيضا، وبهذا الوعي تبنى الأمم، لا بما تملك من طاقة فحسب، بل بكيفية إدارتها لها.

ففي ظل التحديات المتزايدة التي تواجه قطاع الطاقة عالمياً، تتجه الأنظار في مصر نحو تبني سياسات أكثر كفاءة واستدامة في إدارة الموارد الكهربائية، في محاولة لتحقيق التوازن بين تزايد الطلب على الطاقة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.

وفي هذا السياق، تبرز مبادرة تحسين كفاءة استخدام الطاقة كإحدى الركائز الأساسية في استراتيجية الدولة للتحول الطاقي.

شراكة دولية

بدأت القصة في مقر وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة بالعباسية، حيث عقد محمود عصمت، وزير الكهرباء والطاقة المتجددة، اجتماعاً موسعاً مع وفد شركة شنايدر إليكتريك، برئاسة سيباستيان رييز، لبحث نتائج مبادرة تحسين كفاءة استخدام الطاقة، وآليات التوسع فيها لتشمل قطاعات جديدة.

الاجتماع لم يكن مجرد مراجعة لنتائج مشروع، بل خطوة ضمن برنامج أشمل يستهدف إعادة هيكلة أنماط استهلاك الكهرباء في مصر، بما يضمن الاستخدام الأمثل للطاقة، وتحقيق الاستقرار والاستدامة في التيار الكهربائي.

نتائج لافتة

تشير البيانات الرسمية إلى أن النموذج التجريبي للمبادرة، والذي تم إطلاقه في مايو 2025، شمل 25 مصنعاً من قطاعات صناعية متنوعة، من بينها الأسمنت، والألومنيوم، والغزل والنسيج، والزجاج، والصناعات الغذائية، والمعدات الكهربائية.

ووفقاً للتقييمات، نجحت الإجراءات المتبعة في تحقيق وفر في استهلاك الطاقة تراوح بين 9% و22%، وهو ما اعتبره خبراء مؤشراً قوياً على إمكانية تعميم التجربة على نطاق أوسع.

ويرى متخصصون أن هذه النسب تعكس ليس فقط تحسينات تقنية، بل تحولاً في ثقافة التشغيل داخل المصانع، حيث أصبح ترشيد الاستهلاك جزءاً من منظومة الإنتاج.

الكفاءة

فيما أوضح الوزير أن تحسين كفاءة الطاقة لا يقل أهمية عن إنشاء محطات جديدة لتوليد الكهرباء، بل قد يكون أكثر جدوى من الناحية الاقتصادية.

فتكلفة إنشاء ميجاوات واحد من الكهرباء تعادل ما بين 5 إلى 7 أضعاف تكلفة توفير نفس القدرة عبر تحسين الكفاءة، فضلاً عن تقليل تكاليف التشغيل والصيانة.

هذا الطرح يعكس توجهاً عالمياً متنامياً يعتبر كفاءة الطاقة "مصدر طاقة غير مرئي"، يمكن من خلاله تقليل الضغط على الشبكات دون الحاجة لاستثمارات ضخمة في البنية التحتية.

تدريب وتأهيل

لم يقتصر المشروع على الجوانب التقنية، بل امتد ليشمل بناء قدرات بشرية قادرة على استدامة هذه الجهود، حيث يجري تدريب مهندسي وزارة الكهرباء والشركة القابضة لكهرباء مصر على آليات مراجعة الطاقة داخل المصانع.

كما تم التأكيد على أهمية رفع الوعي المجتمعي والصناعي بأهمية ترشيد الاستهلاك، من خلال برامج تدريبية متخصصة تستهدف العاملين في مختلف القطاعات.

من المصانع إلى الخدمات

رغم أن المرحلة الأولى ركزت على القطاع الصناعي، إلا أن التوجه الحالي يستهدف التوسع ليشمل قطاعات أخرى مثل المستشفيات والفنادق والمنشآت الخدمية، وهو ما يعكس إدراكاً بأن استهلاك الطاقة لا يقتصر على الصناعة فقط.

وفي هذا الإطار، يجري العمل على تعميم النموذج الناجح، مع مراعاة اختلاف طبيعة الاستخدام بين القطاعات المختلفة، بما يضمن تحقيق أقصى استفادة ممكنة.

تطوير الشبكات

كما ناقش الاجتماع أيضاً تطورات مشروع تحديث مراكز التحكم في شبكات توزيع الكهرباء، بهدف تحسين جودة الخدمة وتقليل الفاقد، إلى جانب مشروع تطوير شركة مصر الوسطى لتوزيع الكهرباء.

ويُعد هذا التطوير جزءاً أساسياً من خطة شاملة لرفع كفاءة الشبكات، بما يواكب التحول نحو استخدام التكنولوجيا الحديثة في إدارة الأحمال الكهربائية وتوزيعها بشكل أكثر كفاءة على مدار اليوم.

القطاع الخاص

فيما أكد المسؤولون أن التعاون مع شركات عالمية مثل شنايدر إليكتريك يمثل دعماً مهماً لنقل الخبرات والتكنولوجيا الحديثة، خاصة في مجالات إدارة الطاقة والتحول الرقمي.

ويُنظر إلى القطاع الخاص كشريك رئيسي في تنفيذ هذه الاستراتيجية، لما يمتلكه من خبرات فنية وقدرات تنفيذية تسهم في تحقيق الأهداف المرجوة.

نحو مستقبل طاقي مستدام

في ظل التحديات البيئية والاقتصادية، يبدو أن مصر تسير بخطى متسارعة نحو تبني نموذج أكثر استدامة في إدارة الطاقة، يعتمد على الكفاءة والتكنولوجيا بدلاً من التوسع التقليدي في الإنتاج.

ضرورة وطنية

وفي النهاية لم تعد كفاءة الطاقة مجرد خيار تقني، بل أصبحت ضرورة وطنية واستراتيجية اقتصادية، تتيح للدولة تحقيق وفورات كبيرة، وتحسين جودة الخدمات، وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.

ومع نجاح التجارب الأولية، يبقى التحدي الأكبر هو تعميم هذه النماذج وتحويلها إلى ثقافة راسخة في جميع القطاعات.

تم نسخ الرابط