في عمق البحر الأحمر.. مشروع كبير يغير قواعد اللعبة بمرسى علم
في محافظة البحر الأحمر، حيث تتقاطع الطبيعة البكر مع متطلبات التنمية الحديثة في بيئة شديدة الحساسية، يصبح التعامل مع المخلفات ليس مجرد إجراء خدمي، بل اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة الإنسان على التوازن بين التقدم والحفاظ على البيئة.
فالمشروعات البيئية في هذه المناطق لا تقاس فقط بقدرتها التشغيلية، بل بعمق أثرها في حماية النظام البيئي وصون الموارد الطبيعية للأجيال القادمة.
ومن هذا المنطلق، يأتي إنشاء المدفن الصحي الآمن للمخلفات كترجمة عملية لفلسفة التنمية المستدامة، التي ترى في الإدارة العلمية للمخلفات ضرورة وجودية، لا خيارًا تقنيًا، وتعيد تعريف العلاقة بين العمران والطبيعة على أسس من المسؤولية والوعي البيئي.

الإدارة الآمنة للمخلفات
ففي إطار جهود الدولة المصرية لتعزيز منظومة الإدارة الآمنة للمخلفات والحفاظ على البيئة، شهدت مدينة مرسى علم بمحافظة البحر الأحمر إنشاء مدفن صحي آمن للمخلفات، يُعد من المشروعات البيئية الحديثة التي تستهدف التعامل مع المخلفات الصلبة وفق أعلى المعايير الهندسية والبيئية، بما يضمن الحد من التلوث وحماية الموارد الطبيعية بالمناطق الساحلية.
ويأتي تنفيذ هذا المشروع ضمن خطة شاملة لتطوير البنية التحتية لمنظومة المخلفات في المحافظات، بما يواكب توجهات الدولة نحو التحول إلى منظومة إدارة مستدامة تعتمد على أساليب علمية حديثة في التخلص الآمن من النفايات.
تصميم هندسي متكامل
بلغت التكلفة الإجمالية لإنشاء المدفن الصحي الآمن بمدينة مرسى علم نحو 21 مليون جنيه، وأُقيم على مساحة تقدر بنحو 5 أفدنة، ليشكل منشأة متكاملة مصممة وفق معايير فنية دقيقة تضمن التشغيل الآمن والمستدام.
ويتكون المدفن من خلية دفن صحي رئيسية، إلى جانب بحيرة مخصصة لتبخير سائل الرشيح، مع تأمين كامل للموقع من خلال سور من الدبش وبوابة حديدية، بما يضمن إحكام السيطرة على الدخول والخروج وتعزيز إجراءات الأمان.

تجهيزات على أعلى مستوى
يضم المدفن مجموعة من التجهيزات الفنية اللازمة لعمليات التشغيل، من بينها غرف للأمن، ومولدات كهربائية تحتوي على مولدين كبيرين لتأمين استمرارية العمل، بالإضافة إلى لوحة توزيع رئيسية تتحكم في إدارة الطاقة داخل الموقع.
كما يشمل المشروع أعمدة إنارة، وخزانات مياه، ومبنى إداري رئيسي لإدارة التشغيل والمتابعة، إلى جانب خزان وقود ومغسلة سيارات لخدمة آليات التشغيل والنقل.
منظومة متكاملة
تم تزويد المدفن بشبكة مواسير متكاملة لتجميع سائل الرشيح الناتج عن المخلفات، ومحاطة بطبقات حماية من الزلط (الريب راب) من الخارج، بما يضمن عدم تسرب أي ملوثات إلى التربة أو البيئة المحيطة.
أما بحيرة تجميع السائل، فقد تم تبطينها من الداخل بالخرسانة العادية، مع تدعيمها بطبقة خارجية من الريب راب، في إطار إجراءات هندسية دقيقة تهدف إلى تعزيز الأمان البيئي.
ويحيط بالمدفن شبكة من الطرق الخدمية التي تسهل حركة المعدات والآليات حول خلية الدفن والبحيرة، بما يدعم كفاءة التشغيل والصيانة.
تصميم يراعي الاستدامة
يصمم المدفن الصحي وفق مواصفات هندسية دقيقة تأخذ في الاعتبار طبيعة استخدامه المستقبلية، حيث يتم تحديد آليات التشغيل والإغلاق منذ مرحلة التصميم، مع مراعاة الاستخدام اللاحق للموقع بعد انتهاء عمره الافتراضي.

ويتم التخطيط لاستغلال الموقع بعد غلقه في أنشطة بديلة آمنة بيئيًا، وفق ما تتيحه الدراسات الهندسية المعتمدة، بما يعكس مفهوم الاستدامة في إدارة المخلفات.
نظام مراقبة
يتكون المدفن من حفرة خرسانية سميكة على هيئة خلايا دفن، يتم من خلالها دفن المخلفات بطريقة منظمة وآمنة، مع وجود نظام متابعة مستمر للغازات المنبعثة من عملية التحلل، بما يضمن السيطرة على أي انبعاثات محتملة.
ويُعد هذا النظام أحد العناصر الأساسية في المدافن الصحية الحديثة، حيث يهدف إلى تقليل التأثيرات البيئية وضمان أعلى مستويات الأمان للعاملين والمناطق المحيطة.
نحو إدارة حديثة للمخلفات
وفي النهاية يمثل مدفن مرسى علم الصحي الآمن خطوة مهمة في مسار تطوير منظومة إدارة المخلفات بمحافظة البحر الأحمر، خاصة في المدن السياحية والساحلية التي تتطلب معايير بيئية صارمة للحفاظ على طبيعتها الفريدة.

ويعكس المشروع توجه الدولة نحو تبني حلول علمية حديثة للتعامل مع المخلفات، بما يحقق التوازن بين التنمية والحفاظ على البيئة، ويعزز من جودة الحياة في المجتمعات المحلية، ضمن رؤية أشمل لتحقيق التنمية المستدامة في مختلف محافظات الجمهورية.



