رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

استمرار الدورة التدريبية المتخصصة في فقه الحج باوقاف أسيوط

اسيوط
اسيوط

واصلت  اليوم الأربعاء مديرية أوقاف أسيوط  الدورة التدريبية المتخصصة في “فقه الحج” للسادة الأئمة ، بمقر مركز الثقافة الإسلامية بأسيوط وذلك في إطار رؤية دعوية تستهدف بناء كوادر علمية قادرة على الإفتاء الرشيد، والتوجيه المنضبط، والتعامل الفقهي الدقيق مع قضايا الناس ومستجداتهم.

جاء ذلك بتوجيهات الدكتور أسامة السيد الأزهري، وزير الأوقاف، وبرعاية فضيلة الدكتور عيد علي خليفة وكيل وزارة الأوقاف بأسيوط، وتحت إشراف فضيلة الدكتور أحمد خطيب محمد، مدير الدعوة، ومتابعة فضيلة الشيخ أحمد محمد سيد بدوي، مسئول التدريب، وفضيلة الشيخ محمود جميل محمود، مدير مكتب وكيل الوزارة؛

انطلقت أعمال اليوم الأول بمحاضرة علمية ثرية قدّمها فضيلة الدكتور عيد علي خليفة، حيث عالج فيها فقه الحج معالجةً عميقة تجمع بين التأصيل الشرعي والدقة المنهجية، في إطارٍ يربط النصوص بمقاصدها، ويقرّب المعاني إلى واقع بأسلوب علمي رفيع.

استهل فضيلته حديثه ببيان حقيقة الحج ومكانته، فصوّره عبادةً كبرى تتجلى فيها معاني العبودية الخالصة، إذ يجتمع فيها بذل الجهد البدني، والإنفاق المالي، والتوجه القلبي الكامل إلى الله تعالى، مبينًا أنه الركن الخامس من أركان الإسلام، الذي يتجسد فيه معنى الاستجابة المطلقة لأمر الله، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97]، مؤكدًا أن هذه الفريضة تمثل مدرسة إيمانية متكاملة تُهذّب السلوك، وتُزكّي النفس، وتُعيد تشكيل العلاقة بين العبد وربه على أساس من الإخلاص والتجرد.

ثم انتقل إلى بيان الحكم الشرعي للحج، موضحًا أنه فريضة محكمة تجب مرة واحدة في العمر على كل مسلم توافرت فيه شروط التكليف، مستندًا إلى ما ورد في السنة النبوية من أصول الدين، ومبينًا أن الشريعة راعت في هذا الفرض جانب التيسير ورفع الحرج، فجعلت الاستطاعة شرطًا معتبرًا، وهي لا تقتصر على القدرة المالية فحسب، بل تشمل القدرة البدنية وأمن الطريق، في إطار من الرحمة الإلهية التي تراعي أحوال الناس واختلاف قدراتهم.

وفي سياق تفصيلي دقيق، عرض فضيلته أركان الحج التي يقوم عليها النسك ولا ينعقد إلا بها، فبيّن أن الإحرام يمثل نقطة الانطلاق نحو التجرد، وأن الوقوف بعرفة هو قلب الحج النابض وأعظم أركانه، مستدلًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الحج عرفة»، ثم طواف الإفاضة والسعي بين الصفا والمروة، موضحًا أن هذه الأركان تشكّل البناء الأساس للحج، وأن الإخلال بها لا يجبر، بخلاف الواجبات التي يمكن جبرها بالفدية، مستعرضًا الفروق الفقهية بين الأركان والواجبات والسنن بأسلوب يجمع بين العمق العلمي والوضوح التطبيقي.

ولم يقف الطرح عند حدود الأحكام، بل امتد إلى البعد المقاصدي لهذه الشعيرة العظيمة، حيث أبرز أن الحج ليس مجرد أعمال تؤدى، بل هو مشروع تربوي متكامل، يرسّخ التوحيد الخالص، ويعزز وحدة الأمة، ويغرس في النفوس معاني الصبر والانضباط، ويحرر الإنسان من التعلق بالمظاهر الدنيوية، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: 28]، موضحًا أن هذه المنافع تتجاوز الجانب المادي لتشمل إصلاح القلوب وبناء المجتمعات.

كما تناول فضيلته جملة من القضايا المعاصرة المرتبطة بالحج، مؤكدًا أهمية الفقه الواقعي الذي يوازن بين ثوابت النصوص ومتغيرات العصر، فتطرق إلى أحكام الزحام وإدارته، واستخدام وسائل النقل الحديثة، والالتزام بالتنظيمات الرسمية التي تهدف إلى تحقيق السلامة والانسيابية، مشددًا على أن الفقه الصحيح هو الذي يجمع بين الالتزام والانضباط، ويحقق مقاصد الشريعة في التيسير دون تفريط أو تجاوز.

واتسمت المحاضرة الثانية بالعمق والتجديد، وقد قدّمها فضيلة الدكتور محمد أحمد فضل، أحد الأئمة المتميزين بالمديرية  حيث أضاف بُعدًا تطبيقيًا مهمًا لفقه الحج، قائمًا على منهج الفتوى المؤسسية المنضبطة، وربط بين أصول الفقه وقضاياه المعاصرة بأسلوب يجمع بين الدقة العلمية ووضوح الطرح.

استهل فضيلته حديثه بتأكيد أن فقه الحج لا يقف عند حدود النصوص المجردة، بل يتطلب فهمًا واعيًا لمآلات الأفعال، واستحضارًا دقيقًا لواقع الحجاج في ظل التحديات المعاصرة، موضحًا أن القواعد الفقهية الكبرى تمثل الإطار الحاكم للتعامل مع النوازل، ومن أبرزها قاعدة “المشقة تجلب التيسير” وقاعدة “الضرر يزال”، حيث بيّن كيف تُفعَّل هذه الأصول في تنظيم أداء المناسك بما يحقق المقصود الشرعي ويحفظ النفوس.

وانتقل إلى معالجة عدد من الإشكالات الشائعة التي يقع فيها بعض الحجاج، فلفت إلى خطورة السلوكيات التي تُفضي إلى الأذى، كالتدافع غير المنضبط، أو التمسك ببعض الهيئات المستحبة على حساب الواجبات، مؤكدًا أن الاتباع الحق لهدي النبي -صلى الله عليه وسلم- يقوم على التيسير المنضبط لا التعسير، وأن روح الشريعة قائمة على رفع الحرج وتحقيق المصلحة.

كما عرض نماذج عملية من الفتاوى المعاصرة الصادرة عن دار الإفتاء المصرية، والتي عالجت قضايا ملحة في واقع الحج، مثل جواز الرمي في أوقات متسعة دفعًا للزحام، وإمكانية الاستعانة بالوسائل الحديثة في الطواف والسعي، أو إجازة التوكيل في بعض المناسك عند العجز، مبينًا أن هذه الفتاوى تنطلق من أصول راسخة وتُراعي المقاصد الشرعية دون إخلال بالثوابت.

وأكد فضيلته أن الفقيه المتوازن هو من يمتلك القدرة على تنزيل الأحكام على واقع الناس بدقة، فيراعي اختلاف الأحوال والقدرات، ويُحسن الجمع بين النصوص ومقاصدها، مستشهدًا بأقوال أئمة الاجتهاد في ضرورة مراعاة الزمان والمكان والحال، ومشيرًا إلى أن فقه الحج تحديدًا يحتاج إلى وعي مركب؛ نظرًا لتنوع البيئات البشرية، وكثرة الأعداد، وتشابك الظروف.

وفي امتداد عملي للمحاضرتين، عُقدت ورشة تدريبية تطبيقية بعنوان: “منهج التيسير في فقه الحج وأثره في تحقيق المقاصد في النوازل”، حيث تم توزيع المشاركين إلى مجموعات عمل ناقشت سيناريوهات واقعية من مشكلات الحجاج، وطرحت معالجات فقهية مبتكرة قائمة على التيسير المنضبط، تحت إشراف علمي مباشر، في تجربة عززت مهارات التحليل الفقهي والقدرة على اتخاذ القرار الدعوي الرشيد.

وتندرج هذه الدورة ضمن رؤية تدريبية متكاملة تعتمد على نموذج “تأهيل الكوادر الناقلة للمعرفة”، حيث يُكلف المتدربون بنقل ما اكتسبوه من معارف إلى محيطهم الوظيفي، بما يحقق انتشارًا أوسع للفهم الصحيح، ويُسهم في توحيد الرسالة الدعوية، ورفع كفاءة الأداء العلمي للأئمة على مستوى الميدان.

وفي ختام هذه الفعاليات، تتجسد ملامح رؤية استراتيجية واضحة تتبناها مديرية أوقاف أسيوط، قوامها الاستثمار في بناء الإنسان، وصناعة إمام يجمع بين التأصيل الشرعي والوعي الواقعي، قادر على توجيه الناس بحكمة، وتبصيرهم بأحكام دينهم بروح وسطية متزنة، تحقق المقاصد وتراعي متغيرات العصر دون تفريط في الثوابت.

تم نسخ الرابط