رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

رحلة إلى عتمة الجحيم.. متاهة تحت الأرض تتحول لأسطورة في مكناس

ارشيفية
ارشيفية

في عمق التجربة الإنسانية، يظل الإنسان دائم البحث عن الأماكن التي تختبر يقينه وتزعزع حدود معرفته، وكأن الغموض ليس مجرد غياب للمعلومة، بل شكل آخر من أشكال الحقيقة التي لم تُفهم بعد.

فكل فضاء مغلق في التاريخ لا يكون مجرد بناء من حجر، بل يتحول مع الزمن إلى سؤال مفتوح حول السلطة والذاكرة والخوف، وحول قدرة البشر على تحويل الواقع إلى أسطورة، والأسطورة إلى واقع بديل يعيش في المخيلة أكثر مما يعيش في الجغرافيا.

ومن هنا، لا يبدو المكان الغامض مجرد أثر قديم، بل مرآة تعكس علاقة الإنسان بالمجهول، حيث تتداخل الحقيقة مع التخيّل، ويصبح السؤال الأهم ليس ما حدث فعلًا، بل لماذا نصرّ على تصديق ما نرغب أن يكون قد حدث.

سجن قارا

في قلب مكناس، وبين جدران القصبة الإسماعيلية التي تختزن ذاكرة دولة كاملة، يبرز “سجن قارا” كواحد من أكثر المعالم إثارة للغموض في المغرب، حيث تتشابك الروايات التاريخية مع الحكايات الشعبية لتصنع صورة مركبة لمكان لا يزال يثير فضول الزوار والباحثين على حد سواء؛ ليبقى السؤال هل نحن أمام سجن حقيقي بني لأغراض سياسية وأمنية، أم أمام أسطورة تضخمت عبر الزمن حتى أصبحت جزءا من الوعي الجمعي؟

جذور تاريخية

فيما يرجع تاريخ بناء سجن قارا إلى أوائل القرن الثامن عشر، خلال فترة حكم السلطان المولى إسماعيل، الذي عرف بمشروعاته العمرانية الضخمة وسعيه لتأسيس عاصمة قوية ومحصنة تعكس هيبة الدولة.

وقد شيد السجن داخل القصبة الإسماعيلية، بالقرب من جناح السفراء، في موقع يعكس طبيعته الحساسة ضمن منظومة الحكم انذاك، حيث كان يعتقد أنه استخدم لاحتجاز الأسرى أو المعارضين، خاصة في ظل الصراعات التي شهدتها تلك الحقبة.

تصميم يثير الحيرة

يتخذ السجن شكلًا شبه مستطيل، ويقع بالكامل تقريبًا تحت سطح الأرض، ما يمنحه طابعًا مغلقًا وغامضًا؛ فيما يتكون السجن المهيب من ثلاث قاعات رئيسية واسعة، ترتكز على دعامات ضخمة يصل طول الواحدة منها إلى نحو 3.46 متر، مع محيط يقارب 1.4 متر، ما يعكس دقة هندسية لافتة.

غير أن أكثر ما يميز هذا المعلم هو شبكة الممرات والدهاليز المتداخلة، التي تتفرع من القاعات الرئيسية إلى مسارات متعددة، ما يجعل المكان أشبه بمتاهة معقدة يصعب على غير المتمرسين التنقل داخلها أو تحديد اتجاهاتهم، وهو ما ساهم في ترسيخ سمعته كموقع “لا عودة منه”.

أسير برتغالي وذاكرة شعبية

تتعدد الروايات حول أصل تسمية “حبس قارا”، إذ تشير إحدى الروايات إلى سجين برتغالي يدعى “قارا”، كان يتمتع بخبرة في البناء، وقد وعده السلطان بالإفراج عنه مقابل تصميم سجن ضخم قادر على استيعاب أعداد كبيرة من الأسرى.

في المقابل، تذهب رواية أخرى إلى أن الاسم يعود إلى فترة الاحتلال الفرنسي، حين كان السجن يستخدم لاحتجاز المغاربة، وكان يشرف عليه حارس أصلع، ما دفع السكان إلى تسميته “حبس الأقرع”، قبل أن يتحول الاسم تدريجيًا إلى “حبس قارا” بفعل التداول الشعبي.

سجن بلا أبواب

ربما كانت أكثر الروايات إثارة للجدل تلك التي تصف السجن بأنه بلا أبواب، حيث يقال إن السجناء كانوا يلقون داخله من خلال فتحات في السقف، تستخدم أيضًا لإدخال الطعام، ما يجعل الخروج منه أمرًا شبه مستحيل.

كما تتحدث بعض الحكايات عن وجود مخرج سري واحد داخل هذه المتاهة، وأن العثور عليه يعني النجاة، إلا أن أحدًا وفق هذه الروايات، لم يتمكن من اكتشافه، ما أضفى على المكان هالة من الرعب والغموض.

بين الواقع والمبالغة

رغم انتشار هذه القصص، يؤكد عدد من المؤرخين والباحثين أن سجن قارا لم يكن بالضرورة “سجنا أسطوريا” كما يشاع، بل منشأة تحت أرضية كبيرة ربما استخدمت للتخزين أو الاحتجاز المؤقت، وأن كثيرا من الروايات المتداولة قد تكون نتاجا للمبالغة أو الخيال الشعبي الذي تضخم مع مرور الزمن.

محاولات الاستكشاف

فيما تتردد روايات عن محاولات لاستكشاف السجن، أبرزها قصة فريق من المستكشفين في تسعينيات القرن الماضي، حيث يقال إنه اختفى داخل دهاليز السجن أثناء محاولة التوغل في أعماقه.

ورغم غياب أي توثيق رسمي لهذه الحادثة، فإنها ساهمت في تعزيز صورة السجن كمكان “غامض” لا يكشف سره بسهولة، وأصبحت جزءا من السرد الشعبي المرتبط به.

وجه سياحي

اليوم، تحول سجن قارا إلى معلم سياحي مهم داخل مدينة مكناس، حيث يتاح للزوار دخول جزء محدود منه، في حين تظل مناطق أخرى مغلقة لدواعٍ تتعلق بالسلامة.

ويقع مدخل السجن عبر درج قريب من قبة الخياطين داخل القصبة الإسماعيلية، ما يجعله محطة رئيسية ضمن المسارات السياحية في المدينة.

لغز مستمر

يبقى سجن قارا نموذجا فريدا لتداخل التاريخ مع الخيال، حيث تتجاور الحقائق المعمارية الموثقة مع الأساطير التي نسجها الناس عبر الأجيال؛ وبين دهاليزه المظلمة وقصصه المتداولة، يستمر هذا المكان في إثارة التساؤلات هل هو مجرد منشأة تاريخية ضخمة أُسيء فهمها، أم متاهة حقيقية أخفت أسرارها عن الجميع؟

وفي النهاية، يظل “حبس قارا” شاهدا على زمن مضى، ورمزا لغموض لم يحسم بعد، ليبقى أحد أكثر الأماكن إثارة للفضول في التاريخ المغربي، حيث تتلاقى الحقيقة مع الخيال في سردية واحدة مفتوحة على كل الاحتمالات.

تم نسخ الرابط