تحالف الضرورة بين الأزواد والقاعدة في مالي.. إعادة تشكيل الصراع أم تمهيد لانفجار أكبر؟
تشهد مالي تطوراً خطيراً في مسار الصراع المسلح، مع بروز تنسيق ميداني غير مسبوق بين الحركات الانفصالية في الشمال، وعلى رأسها جبهة تحرير أزواد، وجماعات جهادية مرتبطة بتنظيم القاعدة، أبرزها جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين". هذا التقارب، الذي وُصف بأنه "مرحلي"، يعكس تحولات عميقة في طبيعة النزاع، وينذر بإعادة رسم خريطة الصراع في البلاد، وسط هشاشة أمنية وسياسية متفاقمة.
تحالف تكتيكي بين مشروعين متناقضين
رغم التباين الجذري بين أهداف الطرفين، حيث يسعى الأزواد إلى إقامة كيان مستقل في شمال مالي، بينما تتبنى الجماعات الجهادية مشروعاً عابراً للحدود لإقامة "إمارة إسلامية"، إلا أن الواقع الميداني فرض نوعاً من التعاون. هذا التحالف لا يقوم على انسجام أيديولوجي، بل على تقاطع مصالح مرحلي، يتمثل في مواجهة عدو مشترك هو المجلس العسكري الحاكم في باماكو.
التقارير الميدانية تشير إلى توزيع واضح للأدوار بين الطرفين، حيث ركزت قوات الأزواد عملياتها في مدن الشمال مثل كيدال وغاو، في حين نفذت الجماعات الجهادية هجمات نوعية استهدفت العاصمة باماكو ومحيطها، في محاولة لفرض ضغط عسكري ونفسي على السلطة المركزية.
تصعيد غير مسبوق وهجمات منسقة
الهجمات الأخيرة التي شهدتها مالي، خاصة تلك التي استهدفت مواقع حساسة في العاصمة، تعكس مستوى عالياً من التنسيق والتخطيط. وتشير بعض الروايات إلى استهداف شخصيات بارزة، من بينها وزير الدفاع، في هجوم وُصف بأنه من أخطر العمليات خلال السنوات الأخيرة.
هذا التصعيد المتزامن في الشمال والجنوب يهدف، وفق مراقبين، إلى إرباك الجيش المالي واستنزاف قدراته، في ظل محدودية الدعم الخارجي الفعال، خصوصاً بعد تراجع الدور الغربي واعتماد باماكو على شركاء جدد لم يحققوا نتائج حاسمة حتى الآن.
إعادة إنتاج سيناريو 2012
يحذر عدد من المحللين من أن هذا التحالف يعيد إلى الأذهان سيناريو عام 2012، عندما تحالفت الحركات الانفصالية مع الجماعات الجهادية للسيطرة على شمال البلاد، قبل أن تنقلب الأخيرة على حلفائها وتفرض سيطرتها الكاملة.
هذا التاريخ القريب يثير مخاوف جدية من أن الأزواد قد يجدون أنفسهم مرة أخرى في موقع الخاسر، إذا ما قررت الجماعات الجهادية استغلال هذا التحالف لتعزيز نفوذها والانفراد بالمشهد.
تداعيات سياسية خطيرة
على الصعيد السياسي، يهدد هذا التقارب صورة قضية الأزواد دولياً، إذ كانت تُطرح سابقاً كحركة ذات مطالب حقوقية مشروعة، تعاني من التهميش والإقصاء. أما اليوم، فإن ارتباطها بجماعات مصنفة إرهابياً قد يفقدها التعاطف الدولي، ويعزلها دبلوماسياً.
كما يُتوقع أن يؤدي هذا التحالف إلى انقسامات داخلية في صفوف الأزواد أنفسهم، خاصة بين التيارات التي ترفض الانخراط في مشروع جهادي، وتلك التي ترى في التعاون ضرورة مرحلية.
تحالف هش وصراع طويل
رغم الزخم العسكري الذي قد يحققه هذا التنسيق، إلا أن العديد من الخبراء يرون أنه تحالف مؤقت، محكوم بالتفكك بسبب التناقضات البنيوية بين الطرفين. فبينما يسعى الأزواد إلى حدود جغرافية واضحة، لا تعترف الجماعات الجهادية بمفهوم الدولة الوطنية أصلاً.
ومع ذلك، فإن هذا التحالف، حتى وإن كان قصير الأمد، قد يطيل أمد الصراع، ويدفعه نحو نمط "حرب العصابات"، ما يزيد من تعقيد الحلول العسكرية والسياسية.
انعكاسات إقليمية مقلقة
لا يقتصر تأثير هذه التطورات على مالي وحدها، بل يمتد إلى منطقة الساحل بأكملها، حيث تعاني دول مثل بوركينا فاسو والنيجر من تحديات أمنية مشابهة. ويخشى من أن يؤدي هذا التنسيق إلى تعزيز شبكات التمرد عبر الحدود، وزيادة وتيرة الهجمات في المنطقة.
كما أن الفراغ الأمني الناتج عن إعادة تموضع التحالفات الدولية في مالي، بعد الانسحاب الغربي، يفتح المجال أمام هذه الجماعات لتعزيز نفوذها، مستفيدة من ضعف الدولة وتراجع قدراتها.
يمثل التقارب بين الأزواد والجماعات المرتبطة بالقاعدة لحظة مفصلية في تاريخ الصراع في مالي. وبينما قد يحقق هذا التحالف مكاسب ميدانية مؤقتة، فإنه يحمل في طياته مخاطر استراتيجية كبيرة، قد تعيد البلاد إلى دوامة العنف والفوضى.
وفي ظل غياب أفق سياسي واضح، واستمرار التدهور الأمني، يبدو أن مالي مقبلة على مرحلة جديدة من الصراع المعقد، حيث تتداخل الأجندات المحلية والإقليمية والدولية، في مشهد يصعب التنبؤ بمآلاته.