رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

ألسنة من ذهب ونصوص من طروادة.. المنيا تكشف ألغاز العصرين اليوناني والروماني

جانب من الاكتشاف
جانب من الاكتشاف الاثري

في بعض الأماكن، لا يكون التاريخ مجرد زمنٍ مضى، بل طبقات من الوعي الإنساني ما زالت تتنفس تحت الأرض؛ وفي البهنسا بمحافظة المنيا، يبدو الزمن وكأنه لم ينتهِ، بل تراكم في صمت عميق، حتى صار الحاضر مجرد طبقة رقيقة فوق عوالم كاملة من المعتقدات والرموز والأسئلة القديمة.

فالكشف الأثري الأخير في هذا المكان لا يطرح مجرد اكتشاف لمقبرة أو مقتنيات ذهبية، بل يفتح نافذة على سؤال فلسفي أقدم من العلم نفسه، كيف كان الإنسان يفهم وجوده حين كان يقترب من الموت؟ وكيف تحوّلت الجثة إلى رسالة، والذهب إلى لغة، والطقس الجنائزي إلى محاولة يائسة لمدّ الحياة إلى ما بعد حدودها؟.

ملحمة الإلياذة

فبين ألسنة من ذهب تُزرع في أفواه الموتى، وبرديات تحمل نصوصًا من ملحمة الإلياذة للشاعر هوميروس، يتكشف مشهد لا يشبه الماضي بقدر ما يشبه محاولة الإنسان الدائمة لخلق معنى لما لا يمكن تفسيره.

وكأن البهنسا لا تكشف عن مقبرة فحسب، بل عن مرآة قديمة تعكس سؤال الإنسان الأول؛ ماذا يبقى منا حين نصمت للأبد؟.

غموض الرفقة الجنائزية

بدأت القصة في قلب صعيد مصر، وتحديدًا في منطقة البهنسا بمحافظة المنيا، حينما تكشف الستار عن واحدة من أكثر الاكتشافات الأثرية إثارة في السنوات الأخيرة، حيث نجحت بعثة أثرية إسبانية في إعادة إحياء ملامح حقبة غامضة تمتد إلى العصرين اليوناني والروماني، في مشهد يجمع بين سحر الذهب وعمق الموروث الإنساني.

كشف يعيد كتابة التاريخ

البعثة التابعة لـجامعة برشلونة ومعهد الشرق الأدنى القديم، أعلنت عن اكتشاف مقبرة تعود للعصر الروماني، ضمن أعمال حفائر دقيقة كشفت عن تفاصيل غير مسبوقة حول الطقوس الجنائزية في المنطقة. وقد ضم الكشف عددًا من المومياوات، بعضها ملفوف بلفائف مزخرفة بزخارف هندسية، داخل توابيت خشبية، إلى جانب وجود دلائل واضحة على استخدام رقائق الذهب في تغطية بعض الأجساد.

لكن العنصر الأكثر إثارة كان العثور على ثلاثة ألسنة ذهبية ولسان نحاسي داخل أفواه بعض المومياوات، وهو طقس جنائزي ارتبط بالمعتقدات الرومانية، حيث كان يُعتقد أن هذه الألسنة تمنح المتوفى القدرة على الحديث أمام الآلهة في العالم الآخر، في محاكمة روحية تحدد مصيره الأبدي.

بردية هوميروس

ولم يتوقف الاكتشاف عند حدود الطقوس الجنائزية، بل امتد ليمنح الموقع بعدًا ثقافيًا عالميًا، مع العثور على بردية نادرة داخل إحدى المومياوات، تحتوي على نص من الكتاب الثاني لملحمة الإلياذة للشاعر الإغريقي هوميروس، وتحديدًا الجزء المعروف بـ"فهرس السفن"، الذي يوثق تفاصيل الجيوش المشاركة في حرب طروادة.

هذا الاكتشاف يفتح آفاقًا جديدة لفهم التداخل الثقافي بين الحضارتين المصرية واليونانية، ويؤكد أن البهنسا لم تكن مجرد موقع محلي، بل نقطة التقاء حضاري عابرة للحدود.

طقوس الحرق

وفي سياق أعمال الحفر شرق المقبرة البطلمية رقم 67، التي اكتُشفت خلال موسم 2024، تم الكشف عن خندق يضم ثلاث غرف من الحجر الجيري، لم يتبق منها سوى أجزاء محدودة، لكنها حملت دلالات عميقة.

ففي إحدى الغرف، عُثر على جرة كبيرة تحتوي على بقايا بشرية محروقة تعود لشخص بالغ، إلى جانب عظام طفل رضيع، ورأس حيوان من فصيلة السنوريات، جميعها ملفوفة بعناية داخل نسيج. بينما احتوت غرفة أخرى على بقايا شخصين محروقين وعظام حيوانات مماثلة.

هذه التفاصيل تشير إلى طقوس جنائزية مركبة، ربما كانت تعكس معتقدات مرتبطة بالحماية في العالم الآخر، أو رمزية خاصة للحيوانات في الموروث الديني لتلك الفترة.

حضور في تفاصيل المكان

جنوب الموقع، عثرت البعثة على مجموعة من التماثيل الصغيرة المصنوعة من التيراكوتا والبرونز، من أبرزها تماثيل للمعبود حاربوقراط في هيئة فارس، إلى جانب تمثال صغير للإله كيوبيد، ما يعكس حضورًا واضحًا للرموز الدينية والميثولوجية في الحياة اليومية والطقوس الجنائزية.

مقابر منهوبة وأسرار باقية

ورغم أن بعض المقابر، خاصة الحجرات الجنائزية تحت الأرض (الهيبوجيوم)، تعرّضت للنهب في عصور قديمة، فإن ما تبقى من عناصر كالألسنة الذهبية والتوابيت المزخرفة لا يزال كافيًا لرسم صورة متكاملة عن تلك الحقبة.

أهمية الاكتشاف

من جانبه، أكد شريف فتحي، وزير السياحة والآثار، أن هذا الكشف يُعد إضافة نوعية لسجل الاكتشافات في المنيا، ويعكس ثراء وتنوع الحضارة المصرية عبر العصور.

كما أشار هشام الليثي، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، إلى أن الاكتشاف يقدم رؤى جديدة حول الممارسات الجنائزية في البهنسا، بينما أوضح محمد عبد البديع تفاصيل البنية المعمارية للموقع، في حين أكد الدكتور حسان عامر أن هذا الكشف يسلط الضوء على مرحلة انتقالية غنية بالتداخلات الثقافية.

البهنسا لم تكشف كل أسرارها 

يؤكد هذا الاكتشاف أن البهنسا لا تزال تخبئ بين رمالها الكثير من الأسرار، وأن كل طبقة تُرفع من أرضها قد تحمل مفاجأة تعيد تشكيل فهمنا للتاريخ.

ففي هذا الموقع، لا تُروى الحكايات بالحروف فقط، بل بالذهب، والعظام، ونصوص عبرت آلاف السنين لتصل إلينا، شاهدة على أن الماضي لا يموت، بل ينتظر من يكتشفه.

تم نسخ الرابط