بين الرمال والاحتمالات.. مشروع كبير يعيد صياغة الحياة بـ «شلاتين»
في الأطراف البعيدة من الجغرافيا، حيث تبدو الأرض قاسية والموارد شحيحة، تولد أعمق الأسئلة حول معنى التنمية هل هي مجرد استغلال لما هو متاح، أم إعادة اكتشاف لما نظنه مستحيلًا؟ فالصحراء، في جوهرها، ليست فراغًا كما تبدو، بل مساحة معلّقة بين الإمكان والعدم، تنتظر من يقرأها بعين مختلفة.
ومن هنا، تتحول فكرة التنمية من كونها مشروعًا اقتصاديًا إلى فعلٍ فلسفي يعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والمكان؛ علاقة لا تقوم على الهيمنة، بل على الفهم والتكيّف.
فحين تُستخرج الحياة من الماء المالح، وتُزرع الخضرة في قلب الجفاف، يصبح الإنجاز أكثر من مجرد أرقام يصبح إعلانًا بأن الحدود الحقيقية ليست في الطبيعة، بل في تصوراتنا عنها.
وفي هذا السياق، تبدو التجارب التنموية في المناطق النائية وكأنها اختبار صامت لقدرة الإنسان على تحويل الهامش إلى مركز، والعزلة إلى فرصة، والندرة إلى بداية جديدة.

جنوب مصر
ففي أقصى الجنوب المصري، حيث تمتد الصحراء وتشتد التحديات البيئية، يتشكل نموذج تنموي جديد يثير التساؤلات حول ملامح المستقبل في المناطق الحدودية في “وادي حوضين” بالشلاتين؛ حيث لم يعد مجرد موقع جغرافي ناءٍ، بل أصبح مسرحًا لتجربة تنموية متكاملة تسعى الدولة من خلالها إلى إعادة رسم خريطة الإنتاج والاستقرار في قلب الصحراء.
في هذا الإطار، استقبل مشروع التنمية المتكاملة بمنطقة حوضين زيارة ميدانية للدكتور وليد البرقي محافظ البحر الأحمر، وذلك للوقوف على مستجدات الموقف التنفيذي للمشروع، الذي يُشرف عليه الجهاز التنفيذي لمشروعات التنمية الشاملة التابع لـوزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، تنفيذًا لتوجيهات الوزير علاء فاروق، الهادفة إلى تعزيز التنمية الشاملة والمستدامة في المناطق الحدودية.
نموذج تنموي رائد
وخلال الجولة، قدّم الدكتور علي حزين، رئيس مجلس إدارة الجهاز التنفيذي، عرضًا تفصيليًا لمكونات المشروع، مؤكدًا أنه يمثل نموذجًا رائدًا في استغلال الموارد الطبيعية غير التقليدية، وعلى رأسها المياه الجوفية المالحة والأراضي الصحراوية، لتحويلها إلى عناصر إنتاج فعّالة.
وأوضح أن المشروع يعتمد على بنية تحتية متكاملة، حيث تم تشغيل ثلاثة آبار مياه، إلى جانب محطتي تحلية، بما يضمن توفير مصادر مستدامة لمياه الشرب والري، وهو ما يُعد حجر الأساس في إقامة مجتمعات زراعية منتجة في بيئات قاسية.

منظومة إنتاج متكاملة
ولا يقتصر المشروع على الزراعة التقليدية، بل يتبنى مفهوم “التكامل الإنتاجي”، حيث يضم 50 صوبة زراعية لإنتاج الخضروات، إلى جانب مزارع نخيل متنوعة تشمل أصنافًا عالية القيمة مثل “البارحي” و”المجدول” و”الخلاص” و”السدر العُماني”.
كما يشمل المشروع منحلًا لإنتاج عسل السدر الصحراوي، الذي يُعد من المنتجات ذات القيمة الاقتصادية المرتفعة، فضلًا عن منظومة متكاملة للإنتاج الداجني (بياض وتسمين)، ومزارع سمكية مبتكرة تعتمد على إعادة استخدام المياه الناتجة عن محطات التحلية، بما في ذلك تربية البلطي الأحمر القادر على تحمل درجات الملوحة المرتفعة.
وفي خطوة تعكس التوجه نحو تعظيم القيمة المضافة، يضم المشروع وحدة متخصصة لتجفيف وتعبئة النباتات الطبية والعطرية، وعلى رأسها نبات “المورينجا”، الذي يحظى بطلب متزايد في الأسواق العالمية.
تمكين المرأة
وعلى الصعيد الاجتماعي، كشف القائمون على المشروع عن تفعيل 13 مركزًا للحرف اليدوية، تستهدف تدريب سيدات المنطقة على إنتاج المشغولات التراثية، مع توفير قنوات تسويقية لمنتجاتهن، بما يسهم في تحقيق دخل مستدام للأسر، وتعزيز دور المرأة في الاقتصاد المحلي.

إشادة رسمية
من جانبه، أشاد محافظ البحر الأحمر بالمستوى الذي وصل إليه المشروع، مؤكدًا أنه يمثل نموذجًا يُحتذى به في تحويل التحديات البيئية إلى فرص اقتصادية حقيقية. وأضاف أن “وادي حوضين” يسهم في إحداث نقلة نوعية في الحياة الاجتماعية والاقتصادية بمدينة الشلاتين، عبر توفير فرص العمل وتعزيز الاستقرار السكاني.
وشدد المحافظ على التزام الأجهزة التنفيذية بالمحافظة بتذليل أي عقبات قد تواجه التوسع في مثل هذه المشروعات، التي تضع المواطن في قلب أولويات التنمية.
رؤية استراتيجية للدولة
وفي السياق ذاته، أكدت وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي التزامها الكامل بدعم المشروع، باعتباره مركز إشعاع تنموي في جنوب مصر، يجمع بين تحقيق الأمن الغذائي، وتوفير فرص العمل، وتمكين المرأة، ضمن رؤية أشمل تستهدف تنمية المناطق الحدودية ودمجها في منظومة الاقتصاد الوطني.
حضور تنفيذي واسع

وشهدت الجولة حضور عدد من القيادات التنفيذية بالمحافظة، إلى جانب مسؤولي مديرية الزراعة، ورئاسة مدينة الشلاتين، في تأكيد واضح على أهمية المشروع كأحد محاور التنمية الاستراتيجية في المنطقة.
ادي حوضين
وفي النهاية فبين واقع يتشكل على الأرض، وطموحات تتجاوز حدود الجغرافيا، يظل “وادي حوضين” نموذجًا مفتوحًا على احتمالات متعددة… فهل يكون بداية لتحول أوسع في تنمية الجنوب المصري؟



