بين الرمال والسر القديم.. مشروع يعيد صياغة خريطة الآثار في سقارة وميت رهينة
في الأماكن التي لا يتوقف فيها الزمن عن الكتابة على الجدران، لا تكون الآثار مجرد حجارة صامتة، بل ذاكرة تُقاوم الفناء؛ فكل نقش قديم هو محاولة لإنقاذ لحظة من النسيان، وكل مقبرة أو تمثال ليس نهاية قصة، بل استمرارها في شكل آخر ينتظر من يقرأه.
حوارًا مع الماضي
ومن هنا، يصبح الحديث عن تطوير المواقع الأثرية في سقارة وميت رهينة وأبوصير ليس مجرد شأن إداري أو مشروع ترميم، بل حوارًا مع الماضي حول حقه في البقاء حاضرًا، ومع الحاضر حول مسؤوليته في أن يكون أمينًا على ما ورثه من الزمن.
فحين تلتقي يد الترميم بتراب التاريخ، لا يُعاد بناء الحجر فقط، بل يُعاد تعريف العلاقة بين الإنسان وذاكرته؛ تلك العلاقة التي تجعل من الأثر سؤالًا مفتوحًا، كيف يمكن للماضي أن يظل حيًا دون أن يُفقد قدسيته، وكيف يمكن للحاضر أن يتقدّم دون أن يقطع خيوطه الأولى مع الأصل؟
وفي ذلك الصدد وفي مشهد يعكس تسارع خطوات الدولة نحو إعادة إحياء أحد أهم مواقع التراث الإنساني، شهدت مناطق سقارة وأبوصير وميت رهينة جولة ميدانية موسعة، حملت بين تفاصيلها رسائل واضحة حول مستقبل إدارة وتطوير المواقع الأثرية في مصر، وما يشهده القطاع من تحولات تستهدف رفع كفاءته إلى مستويات تتوافق مع قيمته التاريخية العالمية.
في قلب التاريخ
بدأت القصة حينما اجرى الدكتور هشام الليثي جولة تفقدية شملت مناطق آثار سقارة وأبوصير وميت رهينة، لمتابعة أعمال الترميم والتطوير الجارية، والوقوف على آخر المستجدات داخل المواقع المختلفة.
وشملت الجولة تفقد المداخل الرئيسية، والمخازن المتحفية الجديدة، إلى جانب متابعة أعمال البعثات الأجنبية العاملة في تلك المناطق، فضلًا عن زيارة المتحف المفتوح بميت رهينة، والاطلاع على المراحل الأخيرة من تجهيز المخزن المتحفي الجديد تمهيدًا لتسليمه وتشغيله.
رسائل واضحة
فيما أكد الأمين العام أن هذه الجولة تأتي في إطار المتابعة الدورية للمواقع الأثرية، تنفيذًا لتوجيهات وزير السياحة والآثار، وفي ضوء استراتيجية شاملة تستهدف تطوير البنية التحتية للمواقع التاريخية، ورفع كفاءتها بما يليق بمكانتها كجزء من التراث العالمي.
وشدد على أن الهدف لا يقتصر على أعمال الترميم فقط، بل يمتد إلى إعادة صياغة تجربة الزائر داخل هذه المواقع، بما يعزز من القيمة الحضارية والسياحية لها.
تطوير شامل بسقارة
خلال جولته في سقارة، وجّه المسؤول الأثري بضرورة الإسراع في تطوير البنية التحتية ومسارات الزيارة، مع التأكيد على إنشاء مركز متكامل للزوار عند المدخل الجديد للمنطقة.
كما شدد على أهمية استكمال منظومة التطوير، بما في ذلك تعزيز أنظمة الإضاءة داخل الموقع،وكذا تركيب كاميرات مراقبة حديثة، بالإضافة إلى تفعيل برامج الصيانة الدورية، وتحسين مسارات الحركة السياحية داخل المنطقة
وفي السياق ذاته، أصدر توجيهات بسرعة نقل القطع الأثرية من المخازن القديمة إلى المخازن المتحفية الجديدة بعد استكمال تجهيزها، وفق جدول زمني محدد، بما يضمن أعلى درجات الحفظ والأمان.
أعمال ترميم وحفائر جديدة
كما شملت الجولة متابعة أعمال الترميم الجارية في مقبرتي "بتاح حتب" و"آخت حتب"، والتي تنفذها بعثة تشيكية متخصصة، إلى جانب تفقد أعمال الحفائر التي تقوم بها كلية الآثار بجامعة القاهرة، حيث تم استعراض أبرز نتائج الموسم الحالي.
كما تمت متابعة أعمال بعثة جامعة جامعة توبنجن الألمانية جنوب هرم أوناس، فضلًا عن تفقد منطقة السرابيوم، التي تُعد واحدة من أهم المواقع الأثرية المرتبطة بتاريخ الدفن الملكي في مصر القديمة.
ميت رهينة
امتدت الجولة إلى المتحف المفتوح بمنطقة ميت رهينة، الذي يضم مجموعة من القطع الأثرية الضخمة، من بينها التمثال الشهير للملك رمسيس الثاني.
وخلال الزيارة، وجّه المسؤول الأثري بإعداد مشروع تطوير متكامل للمتحف، يشمل تطوير أساليب العرض المتحفي، وكذا تحسين الخدمات المقدمة للزوار، بالإضافة إلى دعم البنية الإرشادية واللوحات التعريفية
كما شدد على ضرورة الانتهاء من أعمال المخزن المتحفي الجديد خلال فترة زمنية محددة، مع البدء في نقل القطع الأثرية فور تسليمه.
وفد أثري رفيع
رافق الأمين العام خلال الجولة عدد من القيادات البارزة في قطاع الآثار، من بينهم مسؤولو قطاعات الترميم والمشروعات، والآثار المصرية، وحفظ وتسجيل الآثار، إضافة إلى مسؤولي الإدارة المركزية لآثار القاهرة والجيزة، ومشرفي منطقة سقارة.
مشروع تطوير
وفي النهاية تكشف هذه الجولة عن تحرك مؤسسي واسع لإعادة هيكلة تجربة زيارة المواقع الأثرية في مصر، ليس فقط عبر الترميم والحفاظ، بل من خلال بناء منظومة متكاملة تجمع بين الحماية والتطوير والتسويق الثقافي.
وبينما تظل آثار سقارة وميت رهينة شواهد حية على أعظم حضارات التاريخ، يبدو أن المرحلة المقبلة تستهدف نقلها من "مواقع مشاهدة" إلى "تجربة ثقافية متكاملة" تعيد تقديم التاريخ بلغة الحاضر.



