هل ترسم التوترات الجيوسياسية خريطة جديدة للملاحة العالمية؟
في ظل تصاعد التوترات الأمنية التي تعصف بمضائق الشرق الأوسط، من هرمز إلى باب المندب، عاد الحديث بقوة عن مشاريع الممرات البديلة التي تستهدف إعادة رسم مسارات التجارة العالمية، ويبرز مشروع "قناة بن جوريون" الإسرائيلية كأحد أكثر الطروحات إثارة للجدل، حيث يُنظر إليه ليس فقط كمنافس اقتصادي لقناة السويس، بل كمتغير جيوسياسي قد يغير قواعد اللعبة في الربط بين آسيا وأوروبا.
تحولات المسار.. من القناة التاريخية إلى الممرات البديلة
تشكل قناة السويس الشريان الحيوي الذي يستوعب نحو 10 إلى 15% من التجارة العالمية، إلا أن الهجمات الأخيرة في البحر الأحمر وعدم الاستقرار الإقليمي دفعا شركات الشحن الكبرى إلى إعادة التفكير في استراتيجياتها. ووفقاً لخبراء استراتيجيين، فإن استمرار حالة "عدم اليقين" في باب المندب يضع ضغطاً مستداماً على الميزة التنافسية للقناة المصرية، مما يفتح الباب أمام تصورات لممرات تتجاوز مناطق الصراع التقليدية.
قناة "بن جوريون".. الطموح والتكلفة
يستهدف مشروع قناة "بن غوريون" الربط بين خليج العقبة والبحر الأبيض المتوسط عبر صحراء النقب، بطول يقدر بنحو 292.9 كيلومتراً، وبتكلفة إنشائية تتراوح بين 15 و55 مليار دولار. ورغم أن المسار المقترح أطول من قناة السويس بنحو الثلث، إلا أن المدافعين عنه يروجون له كممر "أكثر أماناً" تحت سيطرة أحادية، خاصة مع ارتباطه بمشروعات كبرى مثل الممر الهندي-الشرق أوسطي-الأوروبي (IMEC).
صراع الجدوى.. هل ينجح البديل في سحب البساط؟
يرى محللون، ومنهم لارس ينسن الرئيس التنفيذي لشركة "Vespucci Maritime"، أن إنشاء قناة موازية سيخلق منافسة سعرية مباشرة قد تضعف الأساس الاقتصادي لكلا المشروعين. كما يطرح الخبراء تساؤلاً جوهرياً: هل يحمي تغيير المسار السفن من التهديدات؟ الإجابة تظل معقدة؛ فالتوترات في مضيق هرمز ستظل تؤثر على أي سفينة تتجه للمنطقة، سواء كانت وجهتها السويس أو بن غوريون، مما يجعل المشروع الإسرائيلي "افتراضياً" أكثر منه واقعياً في المدى المتوسط.
بين "إيفر جيفن" والتحولات اللوجستية
لم تعد حوادث مثل جنوح السفينة "إيفر غيفن" في 2021 هي الدافع الوحيد للبحث عن بدائل، بل تحول الأمر إلى توجه استراتيجي نحو "النقل متعدد الوسائط" الذي يجمع بين السكك الحديدية والبحر والبر. ومع ذلك، يظل غياب الطلب المستمر والالتزامات المالية الضخمة حجر عثرة أمام "بن غوريون"، ليبقى مشروعاً مرهوناً باستمرار الانهيار الأمني الكامل في الممرات الحالية أو وجود دعم دولي استثنائي.
مستقبل السيادة البحرية
تظل قناة السويس، رغم التحديات، الممر الأكثر كفاءة وجاهزية، لكن "حمى القنوات البديلة" تعكس رغبة القوى الدولية في إيجاد مخارج للطوارئ، إن الصراع القادم ليس صراع حفر وردم فحسب، بل هو صراع على "الأمان الملاحي" والقدرة على تحييد الممرات المائية عن الصراعات العسكرية، وهو التحدي الذي سيحدد من يسيطر على بوصلة التجارة العالمية في العقود القادمة.


