مصطفى بكري: مصير المنطقة بعد انتهاء الإنذار الأمريكي الأخير
ساعات قليلة ويحل الموعد النهائي للهدنة التي أعلنها الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» لاستجابة إيران للشروط الخمسة عشر التي أعلنها في وقت سابق، والتي يفرض بمقتضاها الاستسلام الكامل على إيران.
لقد أعلن الرئيس ترامب يوم السبت الماضي أن مهلة العشرة أيام التي منحها لإيران تنفد وقال بلغة حاسمة: هناك 48 ساعة قبل أن يحل عليهم جحيم عظيم، مما يؤكد وفقًا لهيئة البث الإسرائيلية أن أمريكا تتجه نحو التصعيد، ما لم تحدث مفاجآت في اللحظة الأخيرة!!
حتى الآن لا يبدو أن هناك جديدًا في الأفق، كما أن إيران أعلنت بشكل واضح أنها ترفض إنذار ترامب الأخير، وأنها لن تقبل بالجلوس إلى مائدة المفاوضات إلا إذا استجابت أمريكا لشروطها الستة المعلنة في مواجهة الشروط الأمريكية والتي سبق رفضها.
وفي خطوة تمثل تأكيدًا على تهديدات إيران السابقة، أعلن قائد مقر خاتم الأنبياء- الناطق باسم الحرس الثوري- أنه في حال تحرك العدو الأمريكي-الإسرائيلي ضد البنى التحتية الإيرانية فسنستهدف كافة البنى التحتية التي يستفيد منها بموجات مدمرة ومتواصلة، أي بما يعني أن البنى التحتية لدول الخليج العربي والعراق والأردن باتت هدفًا للصواريخ والمسيرات الإيرانية!!
وفي خضم الجدل الدائر حاليًا حول آفاق المرحلة القادمة بعد انتهاء المدة المحددة في الثامنة من مساء اليوم (الإثنين) حذر مسئول حوثي رفيع المستوى: من أن الحوثيين قد يتجهون إلى إغلاق مضيق باب المندب في حال انضمام أي من دول الخليج إلى الضربات الإسرائيلية-الأمريكية ضد إيران، وهو أمر ستكون له تداعياته الخطيرة على مسارات التجارة والطاقة العالمية، وعلى قناة السويس تحديدًا.
إذن نحن أمام لحظة تاريخية فارقة يعاد فيها تشكيل المنطقة بالكامل، وتحدث تغييرات جيوسياسية عميقة، ويعاد تعريف قواعد اللعبة في القطاع الإقليمي الجديد.
وهكذا فإن تهديدات الحوثيين بإغلاق مضيق باب المندب من شأنه أيضًا أن يمثل تحولًا نوعيًا، لأنه ينقل الأزمة من مستوى الردع إلى مستوى التأثير المباشر في الاقتصاد العالمي، وهو ما ينطبق على إغلاق مضيق هرمز أيضًا، والذي يحول الصراع الإقليمي إلى أزمة عالمية تهدد بتغيير قواعد اللعبة.
إن إغلاق مضيق باب المندب ومن قبله التهديد بإغلاق مضيق هرمز لا يعني فقط تعطيل حركة الملاحة في ممر مائي ضيق، وإنما يعني بالأساس إرباك العمود الفقري في بنية الاقتصاد العالمي، خاصة وإغلاق هرمز- على سبيل المثال- لا يمثل مجرد قرار عابر في خضم أزمة مشتعلة وإنما يمثل بالأساس نقطة تقاطع خطيرة بين منابع النفط في المنطقة والاستهلاك في أسواق آسيا وأوربا، وتوقف الملاحة في هذه الممرات الحيوية من شأنه أن يحدث انهيارا للأسواق العالمية ويعيد البلدان المستهلكة إلى مرحلة خطيرة لها تأثيراتها على الإنتاج والاستهلاك.
إن التهديدات التي أطلقها الرئيس ترامب وتحديدًا باستهداف البنية التحتية للطاقة والكهرباء والمياه في إيران بعد انتهاء المدة المحددة، تأخذ بمسار الحرب إلى منحنى غير مسبوق، وهو ما يدفع طهران إلى استخدام كافة أدوات التصعيد دون المراهنة على أساليب الردع التقليدي، صحيح أن منطقة الخليج تحديدًا أصبحت ساحة للمواجهة، رغم أنها ليست طرفًا فيها، إلا أن الحرب بدأت تأخذ منحى جديدًا، ولم تعد مقصورة على اللاعبين التقليديين، فهناك أذرع إيران بدأت تدخل إلى ساحة المواجهة بكل قوة، وهناك أيضًا لاعبون دوليون وإقليميون بدأوا يزحفون إلى ساحة المواجهة، حتى وإن لم يعلنوا عن ذلك، الأمر الذي يهدد بتوسيع الصراع في حال تنفيذ الولايات المتحدة لتهديداتها ضد إيران.
إن الرئيس الأمريكي يدرك أنه إذا ما فشل في تحقيق انتصار كامل على إيران يحدث به تحولًا استراتيجيًا في قواعد الاشتباك ويجبر إيران على الاستسلام، فإن مصير الإمبراطورية الأمريكية سيلحق قطعًا بمصير الإمبراطورية البريطانية العظمى التي انهارت وتحطمت في حرب السويس عام 1956.
لقد نجحت إيران في الفترة الماضية إلى تحويل الصراع الدائر من معركة صراع عسكري تستخدم فيه القوة العسكرية إلى معركة مواجهة ذات طابع سياسي واقتصادي، وهو أمر كانت له تأثيراته العالمية، حركت المياه الراكدة في الكثير من دول أوربا ودول شرق آسيا وعلى رأسها الصين.
لقد أشارت المعلومات إلى أن عددًا من خبراء الطاقة النووية الذين ينتمون لكوريا الشمالية قد وصلوا إلى إيران خلال الأيام الماضية في مهمة لا تخفى على أحد، كما أن صحيفة «التلغراف» البريطانية أشارت إلى أن شحنات صينية من وقود الصواريخ وصلت إلى الموانئ الإيرانية وأن الكمية تكفي 785 صاروخًا باليستيا.
إن كافة المؤشرات تؤكد أن الرئيس ترامب عازم على تنفيذ تهديداته، حيث حشد عشرات الألوف من جنود المشاة الأمريكيين المزودين بأحدث الأسلحة والتكنولوجيا، للبدء في تنفيذ مهمة الإنزال البري في جزيرة «خرج» وغيرها من الجزر المطلة على الخليج، وذلك بهدف الاستيلاء على الثروة النفطية الإيرانية والتحكم في مضيق هرمز- كما قال ترامب- وهو أمر ستكون له تداعياته الخطيرة في المنطقة والعالم.
ويعزر من ذلك الإجراءات التي اتخذتها الولايات المتحدة بدعوة الأمريكيين إلى مغادرة الشرق الأوسط سريعًا، كما أن الخطوط الجوية الأمريكية المتجهة لإسرائيل أعلنت تعليق رحلاتها حتى يوم السابع من سبتمبر المقبل، وهو أمر له دلالته الخطيرة والتي تؤكد أن الأمور تتجه نحو التصعيد.
صحيح أن البعض يراهن على مفاجأة اللحظة الأخيرة، إلا أن كافة المؤشرات وخصوصًا- بعد نجاح عملية الإنزال البري لإنقاذ الطيار الأمريكي- تؤكد أننا أمام الصفحة النهائية من مرحلة الصراع الراهن.
إن مخاطر المرحلة المقبلة لن تتوقف عند حدود الأطراف المتحاربة أمريكا - إسرائيل - إيران وأذرعها، بل ستمثل إعادة تشكيل الإقليم بالقوة، وفرض شروط المنتصر على المنطقة بأسرها، خاصة أن الحرب لن تنتهي كما بدأت، بل ستحدد مصير الدولة الوطنية في المنطقة، وتعريف بنية النظام الإقليمي وقواعد عمله وقدرة الدولة على الاستمرار والبقاء في مثل هكذا ظروف.
وإذا كانت المرحلة السابقة قد تميزت بالاستقرار رغم الأزمات والتوتر الذي ساد المنطقة نتيجة الحروب الهجينة وغير المتماثلة أحيانًا، فإن الوضع سيكون مختلفًا خاصة بعد أن تحولت الحرب إلى قلب المنطقة عندما استهدفت البنى التحتية والأوضاع الاقتصادية والسيطرة المطلقة على الممرات المائية وتسييسها وفقًا لتحليلات المراقبين للأحداث في المنطقة.
إن الولايات المتحدة أمام الاختبار الكبير، وأيًا كانت النتائج فهي الخاسرة، ذلك أن نجاح أمريكا في تدمير البنية التحتية الإيرانية لن يحقق استقرارا في المنطقة، بل سيكون بداية لفوضى عارمة سيدفع الجميع ثمنها.
إن درس ڤيتنام التاريخي لا يزال ماثلًا في الأذهان، حيث إن واشنطن فشلت رغم القصف العنيف ضد المنشآت الڤيتنامية في تحقيق انتصار حاسم، فجاء هجوم «تيت» عام 1968، والذي استطاع أن يحطم صورة أمريكا ويهزم إرادتها، فخسرت الحرب وهو السيناريو الذي تكرر في العراق وأفغانستان وهلم جرا.
إن مرحلة ما بعد السادس من أبريل ستكون خطًا فاصلًا لن يحدد فقط ملامح النظام الإقليمي الجديد، وإنما سيحدد مستقبل الإمبراطورية الأمريكية ومصير ترامب وحليفه نتنياهو خلال الانتخابات المقبلة.