رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

من أطلال الماضي إلى مجد الحاضر.. قصة منزل يخفي أسرار القاهرة

جانب من المنزل التاريخي
جانب من المنزل التاريخي

في قلب القاهرة التاريخية، حيث تتراكم الحكايات فوق الجدران وتختبئ الذاكرة في تفاصيل الحجر والخشب، يقف منزل زينب خاتون شاهدًا على علاقة الإنسان بماضيه، تلك العلاقة التي لا تُقاس بالسنوات بل بما تبقيه من أثر في الوجدان.

فمشروع تطوير هذا الأثر ليس مجرد ترميم لبناء قديم، بل هو فعل فلسفي يعيد وصل الحاضر بالجذور، ويمنح التاريخ فرصة جديدة ليُروى بلغة معاصرة.

هنا، تتحول العمارة إلى نص حي، وتصبح كل مشربية وكل صحن وكل نقش، محاولة لاستعادة معنى الهوية، وإثبات أن الأمم التي تصون تراثها إنما تُعيد اكتشاف نفسها من جديد.

وفي ذلك الصدد يبرز منزل زينب خاتون كواحد من أبرز نماذج العمارة المملوكية التي استعادت بريقها من جديد، بعد أن تُوّج مشروع تطويره بجائزة أفضل مشروع ترميم عالمي لعام 2025 (ENR)، في إنجاز يعكس ريادة مصر في مجال الحفاظ على التراث المعماري.

مشروع يعيد الحياة للتاريخ

لم يكن تطوير منزل زينب خاتون مجرد عملية ترميم تقليدية، بل مشروع متكامل لإعادة إحياء الأثر وإعادة توظيفه، حيث يقع المنزل خلف الجامع الأزهر، في منطقة تزخر بالآثار الإسلامية، ويعود تاريخ إنشائه إلى عام 1486م (873هـ) خلال العصر المملوكي الجركسي.

ويُعد المنزل نموذجًا فريدًا للعمارة الإسلامية، إذ يتميز بمدخل منكسر يضمن الخصوصية، وصحن داخلي واسع، ومشربيات خشبية دقيقة، وأسقف مزخرفة وأرضيات رخامية، تعكس ثراء التفاصيل الفنية لذلك العصر.

تعاون يعكس قوة الخبرة المصرية

جاء تنفيذ المشروع نتيجة تعاون مشترك بين وزارة السياحة والآثار، وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية (الجهاز المركزي للتعمير)، وشركة المقاولون العرب.

هذا التكامل بين الجهات المختلفة ساهم في خروج المشروع بصورة متكاملة تجمع بين الدقة الأثرية والتطوير الوظيفي الحديث.

ترميم وتوظيف عصري

شمل المشروع أعمال ترميم شاملة للعناصر المعمارية والزخرفية، إلى جانب إعادة تأهيل المبنى ليصبح مركزًا ثقافيًا متعدد الاستخدامات،

حيث تم تحويل الدور الأرضي إلى كافتيريا ومطبخ ومنطقة خدمات؛ أما عن الدور الأول، فتم إنشاء قاعة متعددة الأغراض وقاعة مؤتمرات؛ بينما الدور الثاني فقد تم تجهيزه يكافتيريا بانورامية مطلة على القاهرة التاريخية.

كما تضمن المشروع إدخال تجهيزات حديثة، مثل تركيب مصعدين، بالإضافة إلى أنظمة إنذار حريق ومراقبة، وتكييف مركزي، ومنظومة إضاءة متكاملة، وكذا إنشاء خزانات حريق بسعة 120 م³، بالإضافة إلى تجهيز غرفة محول كهربائي.

من الإغلاق إلى العالمية

ظل المنزل مغلقًا منذ عام 1981 بعد تعرضه لتشققات خطيرة، قبل أن تبدأ جهود ترميمه ضمن خطة المجلس الأعلى للآثار لإحياء المباني التاريخية.

وقد شارك في المشروع عشرات من الخبراء والمرممين والمهندسين الذين اعتمدوا على منهج علمي دقيق، أسهم في استعادة المبنى لهيئته الأصلية مع الحفاظ على قيمته التاريخية.

قيمة تاريخية وهوية معمارية

يرتبط المنزل بتاريخ شخصيات بارزة، إذ أنشأته الأميرة شقراء هانم، حفيدة السلطان الناصر حسن، ثم أصبح لاحقًا مقر إقامة زينب خاتون، التي أُطلق اسمها عليه بعد أن أصبحت من سيدات المجتمع البارزات في عصرها.

ويتكون المنزل من صحن مكشوف تحيط به وحدات "السلاملك" المخصصة للرجال و"الحرملك" للنساء، بالإضافة إلى الطوابق العلوية التي تضم غرف المعيشة والنوم، في تصميم يعكس فلسفة العمارة الإسلامية القائمة على الخصوصية والتنظيم الاجتماعي.

الجائزة العالمية

فمع حصول المشروع على جائزة ENR العالمية لم يكن مجرد تكريم، بل شهادة دولية على كفاءة الخبرات المصرية في مجال الترميم، وعلى نجاح الدولة في دمج الحفاظ على التراث مع التنمية السياحية والثقافية.

ويأتي هذا الإنجاز ضمن رؤية أوسع لإعادة إحياء القاهرة الفاطمية، ووضع مواقعها الأثرية على الخريطة السياحية العالمية، من خلال تطوير المناطق المحيطة بها وتحسين الخدمات المقدمة للزائرين، بما يتماشى مع أهداف رؤية مصر 2030.

مستقبل يعيد اكتشاف الماضي

وفي النهاية يمثل مشروع منزل زينب خاتون نموذجًا ناجحًا لكيفية تحويل الأثر من مبنى مهجور إلى مركز نابض بالحياة، يجمع بين التاريخ والثقافة والسياحة.

ففي كل ركن من أركانه، لا تُروى قصة الماضي فقط، بل تُكتب فصول جديدة تؤكد أن الحفاظ على التراث ليس مجرد حماية للحجارة، بل استثمار في الهوية وصناعة للمستقبل.

تم نسخ الرابط