ما الذي يجري داخل مركز التصنيع الرقمي؟.. مشروع يكشف ملامح مرحلة صناعية جديدة
الجيزة، قلب مصر النابض بالحياة، تحتضن اليوم مشروعاً يتجاوز مجرد تصنيع الطلمبات؛ إنه تجسيد لرؤية الإنسان في السيطرة على عناصر الطبيعة، وامتداد لحلم الاستدامة الذي يربط بين التكنولوجيا والموارد المائية، بين العقل والواقع، بين الماضي العريق لمصر وحاضرها الصناعي المتطور.
هنا، في مركز التصنيع الرقمي، لا تُصنع المضخات فحسب، بل تُصنع الرؤية، ويُعاد تعريف العلاقة بين الإنسان والمياه، بين الفكر والإنتاج، في رحلة بحث مستمرة عن الكفاءة والجودة والإبداع المحلي.

فمن داخل مصنع المحركات تكشفت تحركات جديدة تشير إلى مستقبل مختلف للصناعة والتكنولوجيا بتعاون وثيق بين وزارة الموارد المائية والري والهيئة العربية للتصنيع في خطوة تجاه المستقبل البعيد.
بدأت القصة بزيارة تفقدية مهمة، حيث استقبل اللواء أ.ح مهندس مختار عبد اللطيف، رئيس الهيئة العربية للتصنيع، الدكتور هاني سويلم، وزير الموارد المائية والري، في أحد مصانع الهيئة، وسط حضور قيادات الهيئة وعدد من المسؤولين في وزارة الري.
جاءت الزيارة لتفقد مركز التصنيع الرقمي DMC داخل مصنع المحركات التابع للهيئة، حيث رافقهم في الجولة كل من اللواء مهندس عبد الرحمن عبد العظيم عثمان، مدير عام الهيئة العربية للتصنيع، واللواء مهندس جمال رمضان، رئيس مجلس إدارة مصنع المحركات، بالإضافة إلى كبار المهندسين والمسؤولين في الوزارة مثل المهندس أيمن نضر رئيس مصلحة الري، والمهندس محمد عبد السميع رئيس هيئة الصرف، والمهندس مراد غالي رئيس مصلحة الميكانيكا والكهرباء.
متابعة تصنيع الطلمبات
خلال الجولة، اطلع المسؤولون على الإمكانات الصناعية المتاحة في مصنع المحركات لإنتاج جميع أنواع الطلمبات المستخدمة في مشروعات مياه الشرب والصرف الصحي، مع التركيز على الطلمبات الخاصة بمحطات رفع الصرف الصحي في قرى المبادرة الرئاسية "حياة كريمة".
كما شملت الجولة تفقد أقسام مركز التصنيع الرقمي والأنظمة الحديثة المستخدمة في عملية التصنيع، ومراقبة الجودة، والإختبارات على القطع المستخدمة في خطوط الإنتاج، إلى جانب متابعة زمن التصنيع المطلوب لكل مضخة.
وأكد اللواء أ.ح مهندس مختار عبد اللطيف أن الجهود الحالية في مصنع المحركات تهدف إلى توطين صناعة الطلمبات محلياً وتعميق القاعدة الصناعية وفق أحدث معايير الجودة العالمية، مشيراً إلى الإمكانات المتطورة والأجهزة الحديثة داخل مركز التصنيع الرقمي، بهدف تلبية احتياجات وزارة الموارد المائية والري من الطلمبات بمختلف أنواعها.

وأوضح عبد اللطيف أن إنشاء المركز يهدف إلى رفع الطاقة الإنتاجية وزيادة القدرات التصنيعية للطلمبات لتغطية احتياجات السوق المحلية، إلى جانب التصدير للخارج، بما يتماشى مع رؤية مصر للتنمية المستدامة 2030.
وشدد رئيس الهيئة على التعاون الكبير بين مصانع الهيئة العربية للتصنيع ووزارة الموارد المائية والري في تنفيذ المشروعات القائمة، مشيراً إلى أن مصنع المحركات يمتلك كافة القدرات التصنيعية لتعميق وزيادة نسب التصنيع المحلي، وتوطين التكنولوجيا، وتعظيم شعار "صنع في مصر" في مجال صناعة الطلمبات، وتلبية جميع احتياجات الوزارة والمشاركة في تنفيذ المشروعات القومية المتنوعة.
السرعة والجودة في التنفيذ
وأشار عبد اللطيف إلى أهمية السرعة في تنفيذ المحطات وتسليمها في التوقيتات المحددة، مع تقديم خدمات صيانة دورية بكفاءة عالية وبأعلى مستويات الجودة، لضمان استمرارية تشغيل المحطات دون توقف أو أعطال تؤثر على المنظومة المائية.
من جانبه، أعرب الدكتور هاني سويلم خلال كلمته عن تقديره لما شاهده من إمكانات متميزة لدى الهيئة العربية للتصنيع، مؤكداً أن الزيارة أظهرت قدرات الهيئة على دعم المشاريع الوطنية وتوفير المكونات الصناعية الأساسية محلياً.
التحول نحو الجيل الثاني
وأشار الوزير إلى أن الوزارة تشهد حالياً التحول للجيل الثاني لمنظومة المياه المصرية 2.0، وهو جيل يعتمد على التكنولوجيا الحديثة ويشمل تطوير وتحديث شامل للبنية التحتية للمنظومة المائية، بما في ذلك تأهيل وصيانة محطات الرفع والمنشآت المائية التي تحتوي على مكونات ميكانيكية مثل البوابات.
وأوضح سويلم أن منظومة المياه تضم نحو 600 محطة رفع تعمل تحت إشراف مصلحة الميكانيكا والكهرباء، والتي تقوم بتشغيلها وصيانتها، مع اتخاذ الإجراءات اللازمة لتأهيلها أو إحلالها، إضافة إلى محطات الرفع الجديدة التي يتم استلامها.
وأشار الوزير إلى توجيهات فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي بمتابعة تأهيل وصيانة محطات الرفع، مؤكداً إعداد الوزارة خطة استراتيجية شاملة للمحطات على مستوى الجمهورية، لضمان المتابعة الدائمة وتقييم حالة المحطات بانتظام.
تعزيز التصنيع المحلي
كما أعرب الدكتور سويلم عن رغبة الوزارة في تعزيز التعاون مع الهيئة العربية للتصنيع لتوفير مكونات محطات الرفع وقطع الغيار محلياً، مع الاعتماد على قدرات الهيئة المتميزة لدعم التصنيع المحلي، وتقليل الاعتماد على الاستيراد الخارجي، بما يسهم في توفير العملة الصعبة.
وأشار إلى ضرورة وضع خطة قصيرة الأجل للتعاون الفوري، بالإضافة إلى إعداد خطة استراتيجية طويلة الأمد لتصنيع كافة مكونات المحطات محلياً، مع نقل الخبرات الخارجية إلى الهيئة، وتعزيز التدريب ورفع كفاءة الكوادر البشرية للفنيين والعاملين بمصلحة الميكانيكا والكهرباء.

الاعتماد على القدرات الوطنية
وفي النهاية تأتي هذه الزيارة في إطار التعاون المستمر بين وزارة الموارد المائية والري والهيئة العربية للتصنيع لتوطين الصناعة المحلية، وتعظيم الاعتماد على القدرات الوطنية، وتحديث المنظومة المائية المصرية بما يتوافق مع رؤية التنمية المستدامة، ويدعم المشاريع القومية في مصر، ويحقق الكفاءة والجودة المطلوبة لتلبية احتياجات المواطنين في مجال مياه الشرب والصرف الصحي.