رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

مجمع نجع حمادي.. قصة عملاق الألومنيوم بصعيد مصر

جانب من المشروع
جانب من المشروع

قنا تلك المحافظة الهادئة في قلب صعيد مصر، لم تكن يومًا مجرد بقعة جغرافية على ضفاف النيل، بل أصبحت شاهدًا حيًا على قدرة الإرادة الوطنية على تحويل الجغرافيا إلى قوة إنتاج، والصحراء إلى مركز للصناعة والتنمية.

فمن بين أراضيها نشأ واحد من أكبر الصروح الصناعية في العالم العربي، مجمع الألومنيوم بنجع حمادي، الذي لم يكن مجرد مصنع لإنتاج المعدن، بل تجسيدًا لفلسفة تنموية ترى في الصناعة الثقيلة ركيزة لبناء اقتصاد قوي ومستقبل أكثر استدامة.

اقتصاد أكثر استدامة 

ففي زمن تتسارع فيه التحولات الاقتصادية والبيئية عالميًا، تواصل مصر تطوير هذا الصرح الصناعي العريق، ليس فقط للحفاظ على مكانته الإنتاجية، بل ليتحول أيضًا إلى نموذج حديث للصناعة النظيفة المعتمدة على الطاقة المتجددة، في خطوة تعكس رؤية الدولة نحو اقتصاد أكثر استدامة وتنافسية.

القصة بدأت على أطراف مدينة نجع حمادي شمال محافظة قنا، حيث يقف مجمع مصر للألومنيوم شامخًا كأحد أهم الصروح الصناعية في العالم العربي، ورمزًا من رموز الصناعة الثقيلة التي أسستها الدولة المصرية في ستينيات القرن الماضي ضمن مشروعها الطموح لبناء قاعدة صناعية وطنية قوية.

فمنذ تأسيسه عام 1969، ظل المجمع واحدًا من أكبر القلاع الصناعية في المنطقة، حيث لعب دورًا محوريًا في دعم الاقتصاد الوطني وتوفير آلاف فرص العمل، إلى جانب مساهمته في تعزيز الصادرات المصرية من المنتجات المعدنية. واليوم، يدخل هذا الصرح الصناعي مرحلة جديدة من التطوير، مع توجه الدولة نحو استخدام الطاقة النظيفة في تشغيله، في خطوة تعكس التحول المصري نحو الاقتصاد الأخضر وتعزيز القدرة التنافسية للصناعة الوطنية في الأسواق العالمية.

موقع استراتيجي ومساحة ضخمة

يقع مجمع الألومنيوم بمدينة نجع حمادي على الظهير الصحراوي للمدينة، ويمتد على مساحة تقدر بنحو 5000 فدان، ما يجعله واحدًا من أكبر المجمعات الصناعية المتكاملة في الشرق الأوسط.

ولا يقتصر المجمع على المنشآت الصناعية فقط، بل يضم مجتمعًا متكاملًا للعاملين، يشمل وحدات سكنية ومناطق خدمية ومساحات زراعية ومدارس ومعاهد تعليمية، إلى جانب نادي الألومنيوم الرياضي الذي يعد من أبرز الأندية الرياضية في صعيد مصر.

ويعمل داخل المجمع أكثر من 6500 عامل وفني ومهندس، يعملون في ورديات متواصلة على مدار 24 ساعة يوميًا لضمان استمرار عمليات الإنتاج داخل خطوط المصنع.

صناعة تعتمد على الطاقة

جاء إنشاء مجمع الألومنيوم بعد بناء السد العالي في أسوان، حيث وفرت الطاقة الكهرومائية الضخمة التي يحتاجها استخراج الألومنيوم.

وتُعد صناعة الألومنيوم من أكثر الصناعات استهلاكًا للطاقة الكهربائية، إذ تعتمد عملية الإنتاج على التحليل الكهربائي لمادة الألومينا المستخرجة من خام البوكسيت، وهي عملية تتطلب كميات هائلة من الكهرباء.

ولهذا السبب تم إنشاء محطة تحويل كهرباء بالقرب من المصنع لتوفير الطاقة اللازمة لتشغيل خلايا الإنتاج، وضمان استقرار العمليات الصناعية داخل المجمع.

قدرات إنتاجية ضخمة

يُعد مجمع مصر للألومنيوم من أكبر مصانع الألومنيوم في العالم العربي، حيث تبلغ طاقته الإنتاجية نحو 320 ألف طن سنويًا.

ويضم المصنع 252 خلية إنتاج، موزعة على 12 عنبرًان ضمن 6 خطوط إنتاج رئيسية.

وتعمل هذه الخلايا في ظروف تشغيل قاسية، خاصة خلال فصل الصيف، حيث ترتفع درجات الحرارة بشكل كبير أمام خلايا الصهر التي تنبعث منها ألسنة اللهب الناتجة عن عملية إنتاج الألومنيوم.

ورغم صعوبة ظروف العمل، يواصل العمال والفنيون العمل بنظام الورديات المتعاقبة للحفاظ على استمرار الإنتاج دون توقف.

صادرات للأسواق العالمية

تلعب شركة مصر للألومنيوم دورًا مهمًا في دعم الصادرات المصرية، إذ يتم تصدير نحو نصف إنتاج المجمع إلى الأسواق الخارجية، وخاصة الأسواق الأوروبية.

وفي بعض المنتجات النهائية تامة الصنع، تصل نسبة التصدير إلى أكثر من 95% من الإنتاج، ما يعكس جودة المنتج المصري وقدرته على المنافسة في الأسواق العالمية.

خطة تطوير لرفع الكفاءة

تعمل الدولة حاليًا على تنفيذ خطة تطوير شاملة للمجمع تهدف إلى تحديث خطوط الإنتاج وتحسين كفاءة التشغيل وتقليل استهلاك الطاقة.

ومن المتوقع أن تسهم الخلايا الإنتاجية الجديدة في خفض استهلاك الكهرباء من 14 ألف كيلووات ساعة للطن إلى نحو 12.5 ألف كيلووات ساعة للطن، وكذا زيادة كفاءة التيار داخل الخلايا، بالإضافة إلى مضاعفة إنتاجية الخلية يوميًا، وكذا خفض استهلاك الكربون من 423 كيلوجرامًا للطن إلى نحو 400 كيلوجرام للطن، بما يمثل خطوة مهمة نحو تقليل الانبعاثات وتحسين الأداء البيئي للمصنع.

التحول إلى الطاقة الشمسية

وفي إطار توجه الدولة نحو الاقتصاد الأخضر، تعمل وزارة قطاع الأعمال العام على تنفيذ مشروع ضخم لتوفير الطاقة النظيفة لمجمع الألومنيوم بنجع حمادي.

وفي هذا السياق، تم التعاون مع مملكة النرويج من خلال شركة "سكاتك" النرويجية المتخصصة في مشروعات الطاقة الجديدة والمتجددة، لإنشاء محطة طاقة شمسية لتغذية المجمع بالكهرباء النظيفة.

وتبلغ القدرة الإجمالية للمحطة 1 جيجاوات، لتكون واحدة من أكبر مشروعات الطاقة الشمسية المرتبطة بالصناعة في مصر.

اتفاقية شراء الطاقة

يمثل استكمال اتفاقية شراء الطاقة أحد أهم المراحل الحاسمة في تنفيذ المشروع، حيث تمت مناقشة جميع الجوانب المرتبطة بالاتفاقية، بما يشمل الدراسات الاقتصادية للمشروع، والتقييمات البيئية، وآليات التمويل، والجداول الزمنية للتنفيذ

الطاقة النظيفة

كما تمت دراسة العائد الاقتصادي المتوقع على شركة مصر للألومنيوم بعد التحول إلى استخدام الطاقة النظيفة، وهو ما من شأنه أن يسهم في خفض تكاليف التشغيل وتعزيز القدرة التنافسية للمنتج المصري في الأسواق العالمية.

يونيو 2026 

ووفقًا للجدول الزمني للمشروع، من المتوقع الانتهاء من المرحلة الثانية في يونيو 2026، على أن يتم ضخ 500 ميجاوات إضافية لاستكمال القدرة الإجمالية للمحطة البالغة 1 جيجاوات.

ويمثل هذا المشروع خطوة استراتيجية نحو تقليل الاعتماد على الطاقة التقليدية، وتحسين البصمة الكربونية لمنتجات الألومنيوم المصرية، وهو أمر أصبح ضروريًا في ظل اشتراطات الأسواق العالمية، خاصة الأوروبية، التي تضع معايير بيئية صارمة على المنتجات الصناعية المستوردة.

شراكة دولية

وقد أعربت سفيرة مملكة النرويج في القاهرة عن اعتزاز بلادها بالتعاون مع مصر في العديد من المجالات، مؤكدة حرص النرويج على توسيع مجالات التعاون الاقتصادي مع مصر، خاصة في قطاع الطاقة النظيفة.

كما أشادت بالتعاون بين وزارة قطاع الأعمال العام وشركة سكاتك النرويجية في تنفيذ هذا المشروع الضخم، الذي يمثل نموذجًا ناجحًا للشراكة الدولية في دعم التحول نحو الاقتصاد الأخضر.

صناعة عريقة تتطلع للمستقبل

وبينما يواصل مجمع الألومنيوم بنجع حمادي دوره التاريخي كأحد أعمدة الصناعة المصرية، فإن خطط التطوير الجارية والتحول نحو الطاقة النظيفة تمثل خطوة مهمة لضمان استمرارية هذا الصرح الصناعي لعقود قادمة.

فمع اكتمال مشروع الطاقة الشمسية واستمرار تحديث خطوط الإنتاج، يتوقع الخبراء أن يعزز المجمع مكانته كواحد من أهم منتجي الألومنيوم في المنطقة، وأن يواصل مساهمته في دعم الاقتصاد الوطني وزيادة الصادرات المصرية، في إطار رؤية الدولة لبناء اقتصاد صناعي حديث قائم على التكنولوجيا والاستدامة.

تم نسخ الرابط