رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

وادي الريان بين الماضي والحاضر.. أسرار الرقمنة والبحيرات المخفية تحت الرمال

وادي الريان
وادي الريان

في محافظة الفيوم، حيث يلتقي الإنسان مع عمق الطبيعة وتتشابك البحيرات الصناعية مع الصحراء القديمة، تعكس جهود الدولة في تطوير المحميات الطبيعية والتي منها محمية وادي الريان كفلسفة عميقة تتجاوز مجرد الإدارة البيئية، لتصبح اختبارًا لرؤية الإنسان في فهم الطبيعة واستثمارها بعقلانية.

إن رقمنة منظومات الحجز الإلكتروني وتصاريح الأنشطة، وتطوير نظام تقييم الأثر البيئي، ليست مجرد أدوات تقنية، بل هي تجسيد لمفهوم التوازن بين المعرفة والبيئة، بين الحفاظ على التراث الطبيعي وتنمية المجتمع.

هنا، في قلب الصحراء الغربية، تتحول الرقمنة إلى نافذة يطل منها الإنسان على أفق جديد من المسؤولية البيئية، حيث تصبح كل بحيرة، وكل شلال، وكل حيوان، وكل حبة رمل، شاهدة على قدرة الإنسان في توظيف العلم والتقنية للحفاظ على الطبيعة، وإعادة تعريف علاقته بها على نحو مستدام وعميق.

الدكتورة منال عوض

بدأت القصة حينما عقدت الدكتورة منال عوض، وزيرة التنمية المحلية والبيئة، اجتماعًا موسعًا لمتابعة مستجدات منظومة التطوير الرقمي للمحميات الطبيعية، وهو محور هذا التحقيق الصحفي الذي يعرض تفاصيل مشروع رقمنة حجز التذاكر وتصاريح الأنشطة، إضافة إلى منظومة تقييم الأثر البيئي (IDEIA)، وكيف ستغير هذه الرقمنة ملامح إدارة محمية وادي الريان الطبيعية وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.

الرقمنة والتطوير

وركزت الدكتورة منال عوض خلال الاجتماع على ضرورة تسريع تطوير المنظومتين، لضمان تقديم خدمات متكاملة للزائرين والجهات الإدارية، بما يعزز الشفافية والكفاءة المؤسسية ويحد من الإجراءات التقليدية المعقدة.

فالمنظومة الرقمية الجديدة لحجز التذاكر وتصاريح الأنشطة ستتيح، معلومات شاملة عن المحميات الطبيعية وأنواع الأنشطة والخدمات المتاحة للزائرين، وكذا ستعمل على تفعيل وسائل الدفع الإلكتروني لتسهيل عمليات الدخول والاستفادة من الخدمات، بالإضافة إلى تحسين تجربة الزائر وتعزيز الترويج للسياحة البيئية، خاصة للمحميات المدرجة على قوائم التراث الطبيعي العالمية، كما ستتيح متابعة التحديثات على الموقع الإلكتروني بشكل دوري لضمان استمرار التشغيل بكفاءة عالية.

كما تأتي منظومة تقييم الأثر البيئي IDEIA لتصبح أداة أساسية لتبسيط الإجراءات وتوحيد قواعد البيانات، ما يسهم في تسريع إصدار الموافقات البيئية وتحقيق أعلى درجات الشفافية والدقة في التعامل مع دراسات المشروعات المختلفة، مع تمكين المستثمرين والمكاتب الاستشارية من متابعة طلباتهم إلكترونيًا بصورة واضحة ومنظمة.

وادي الريان

وفي ذلك الصدد تتجلي محمية وادي الريان والتي تغطي مساحة 1759 كيلومتر مربع في الجزء الجنوبي الغربي لمحافظة الفيوم، وتتكون من عدة مناطق طبيعية متكاملة، أبرزها البحيرة العليا والسفلى، بالإضافة إلى بحيرات صناعية نتجت عن مشروع صرف مياه الري الفائضة من محافظة الفيوم إلى منخفض الريان؛ فيما تتميز كل بحيرة بمستوى ملوحة مختلف وأعماق تصل إلى 34 مترًا، مع مناظر طبيعية خلابة مناسبة للرياضات المائية وصيد الأسماك.

منطقة الشلالات

كما تربط منطقة الشلالات بين البحيرتين العليا والسفلى، وتمتاز بانحدار مياه يصل إلى 20 مترًا وسط غابات البردي، وتعتبر موقعًا فريدًا لرياضة الغوص والأنشطة الترفيهية.

منطقة عيون الريان

أما منطقة عيون الريان فتقع جنوب البحيرة السفلى وتضم أربعة عيون كبريتية طبيعية، مع تنوع نباتي وحيواني يشمل الغزال الأبيض، الذئب، الثعلب الأحمر، وأنواع عديدة من الطيور والزواحف.

بالإضافة إلى جبل الريان (مناقير الريان)، وهي منطقة جبلية محيطة بعيون الريان، تحتوي على حفريات بحرية وطيور نادرة مثل صقر شاهين والصقر الحر.

وكذا قارة جهنم (وادي الحيتان)، وهي منطقة للحفريات البحرية تعود إلى 40 مليون سنة، تضم هياكل عظمية متحجرة لحيتان بدائية وأسنان أسماك القرش، ما يجعلها متحفًا جيولوجيًا مفتوحًا.

رحلة التطوير والتاريخ البيئي

بدأ التفكير في استغلال منخفض وادي الريان منذ عهد محمد علي، الذي كلف مهندسين أجانب بدراسة طرق تحويل مياه الفيضان إلى المنخفض لتخزينها.

وتواصلت الدراسات حتى منتصف القرن العشرين، وتم تنفيذ مشروع صرف مياه الري الفائضة عام 1973، ما أدى إلى تكوين البحيرات الصناعية وتحويل المنطقة من صحراء جافة إلى محمية متكاملة، تضم أحراش نباتية ومسطحات مائية حاضنة للحياة البرية والأسماك والطيور المائية.

 

فوائد المشروع تضمنت ضمان مقننات الري الكافية للأراضي الزراعية في الفيوم، وكذا زيادة مساحة الأراضي المزروعة بمئات الآلاف من الأفدنة، بالإضافة إلى خلق بحيرات صناعية وسط الصحراء لتربية الأسماك، وزيادة الدخل القومي وتوفير إمكانيات لتوليد الطاقة الكهربائية من المساقط المائية.

الرقمنة كخطوة نحو إدارة متكاملة

ومع إدراج منظومة الحجز الإلكتروني وتصاريح الأنشطة، ستصبح إدارة المحمية أكثر كفاءة، حيث يمكن للزائرين حجز تذاكر دخول المحمية بسهولة، والاطلاع على الأنشطة المتاحة، وكذا تتبع حركة الزائرين والأنشطة داخل المحمية يضمن حماية الموارد الطبيعية.

كما أن المنظومة الرقمية لدراسة الأثر البيئي تتيح إصدار الموافقات بسرعة وشفافية، وتسهيل متابعة المشروعات البيئية.

وفي ذلك الصدد أكدت الدكتورة منال عوض على أهمية الانتهاء من التعديلات الفنية والتحديث الدوري للمنظومة، مع متابعة الأداء المستمر بين جميع الجهات المعنية، لضمان التشغيل الفعلي بأعلى كفاءة في أقرب وقت ممكن.

نموذج للتنمية المستدامة

وفي النهاية ومن خلال التطوير الرقمي والرقمنة، تتحول محمية وادي الريان إلى نموذج عالمي لإدارة المحميات الطبيعية، حيث يجتمع الطبيعة، التاريخ، العلوم، والسياحة البيئية في منظومة واحدة متكاملة. المشروع لا يحمي البيئة فحسب، بل يعزز تجربة الزائر، ويدعم الاستثمار البيئي، ويحقق التوازن بين الحفاظ على الطبيعة وتنمية المجتمع.

لتصبح محمية وادي الريان اليوم مثالاً حيًا على أن الرقمنة ليست مجرد تكنولوجيا، بل أداة حضارية لتحويل الموارد الطبيعية إلى إرث مستدام ونافعة للأجيال القادمة.

تم نسخ الرابط