أستاذ علم اجتماع: اللايك يصنع صديقا مزيفا
أكد الدكتور وليد رشاد، أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، أن موضوع الزمالة والصحبة والصداقة أصبح يمسنا جميعًا في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، موضحًا أن الصداقة في الماضي كانت تقوم على قاعدة ضحك حقيقية ومكالمات طويلة وخروجات قد تتأجل لكنها لا تُلغى، بينما تحولت اليوم في كثير من الأحيان إلى رسالة سريعة أو “لايك” أو مشاهدة “ستوري” أو إرسال رمز تعبيري يضحك، مشيرًا إلى أن الرقمنة دخلت كل تفاصيل حياتنا حتى كادت أن تعيد تشكيل قيمة الصداقة نفسها، فقرّبت بين أناس وأبعدت آخرين، وغيّرت شكل العلاقات القديمة وصنعت صداقات جديدة رقمية.
استاذ علم اجتماع: اللايك لا يصنع صديقًا حقيقيًا
وأوضح أستاذ علم الاجتماع، خلال حلقة برنامج "ناس تك"، المذاع على قناة الناس اليوم الأربعاء، أن الصداقة لم تعد معتمدة على اللقاء وجهًا لوجه كما كان في السابق، ولا على الاتصال المباشر اليومي، إذ أصبح لدى كثيرين أصدقاء قد لا يعرفونهم على أرض الواقع، وأصدقاء عبر تطبيقات مثل واتساب وإنستجرام وماسنجر، وأصدقاء يتم التواصل معهم عبر مكالمات مباشرة أو رسائل مكتوبة أو بريد إلكتروني، لافتًا إلى أن هذا الشكل الجديد لا يعني اختفاء الصداقة، بل يعني تغير صورتها وطبيعة التواصل فيها، حيث يرى كل شخص صديقه من زاوية مختلفة ووفق وسيلة تواصل يفضلها.
وأضاف أن تجمع الأصدقاء الحقيقي أصبح أقل حضورًا في بعض الحالات، وأن التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي ساهمت أحيانًا في تباعد أصدقاء كانوا متقاربين، مشيرًا إلى أننا أصبحنا نبحث عن أصدقائنا بين “الأصدقاء المشتركين”، ونستخدم كلمة صداقة بكثرة دون أن نتوقف كثيرًا عند معناها العميق، متسائلًا عما إذا كنا نستخدمها بوعي كامل، ومؤكدًا ضرورة الحذر في التعامل مع هذا التحول، خاصة مع ضيق الوقت وسهولة التواصل بضغطة زر، والشعور بالقرب من عدد كبير من الناس حتى دون وجود تواصل حقيقي.
وبيّن أن للصداقة الرقمية إيجابيات واضحة، فهي تحافظ على العلاقات البعيدة، وتُبقي خيطًا واصلًا بين الأصدقاء الذين سافروا أو انتقلوا إلى أماكن أخرى، كما تسهّل الاطمئنان برسائل بسيطة قد تترك أثرًا كبيرًا، وتوسّع دائرة العلاقات مع أشخاص يشتركون في الاهتمامات نفسها حتى وإن لم يكونوا في المكان ذاته، مؤكدًا أنها أسرع في التكوين وأسهل في الاستمرار، لكنها في المقابل قد تصبح سطحية إذا اقتصرت على التواصل الرقمي فقط، حيث نعرف أخبار بعضنا البعض لكن قد نجهل مشاعر بعضنا، والصداقة في جوهرها ليست كلمات فقط بل إحساس ودعم عاطفي حقيقي.
وأشار إلى أن البدائل الكثيرة وسهولة إنهاء العلاقة بضغطة زر – من تجاهل رسالة إلى الحذف أو الحظر – قد تؤدي إلى تراجع قيمة العلاقة الواحدة، وإلى شعور بالاطمئنان قد يكون وهميًا حين نكتفي بمشاهدة “ستوري” صديقنا دون أن نسأل عنه، لافتًا إلى أن دراسات علمية أوضحت أن الصداقات الرقمية تمنح إحساسًا بالاتصال لكنها أقل في مستوى الدعم العاطفي مقارنة بالصداقة الواقعية، وأن التواصل وجهًا لوجه يخلق ثقة وتفاهمًا أعمق حتى لو كان عدد الأصدقاء أقل، كما أن الخلافات في العالم الرقمي قد تطول ويزيد فيها سوء الفهم، وقد تنتهي الصداقة بهدوء ومن دون وداع أو مواجهة.
وأكد الدكتور وليد رشاد أن الشباب والمراهقين من أكثر الفئات تأثرًا بهذا النمط، لاعتمادهم الكبير على التطبيقات الرقمية في بناء العلاقات، موضحًا أن لديهم أصدقاء رقميين كثيرين إلى جانب أصدقاء قدامى يتواصلون معهم عبر الوسائط نفسها، لكن الذكريات المرتبطة بالعالم الحقيقي تظل أكثر عمقًا وتأثيرًا، مشددًا في ختام حديثه على أن الرقمنة ليست عدوًا، والصداقة ليست عدوًا، وأن الصديق سيظل قيمة إنسانية عظيمة، غير أن الصداقة الرقمية لا ينبغي أن تكون بديلًا كاملًا عن الصداقة الواقعية، لأن الصداقة تحتاج إلى وقت ومجهود وحضور حقيقي، فليست رسالة أهم من مكالمة، ولا “ستوري” أهم من جلسة صادقة، فالصديق إنسان يحتاج أن نشعر به لا أن نكتفي بمتابعته.



