رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

من الاستيراد إلى التصنيع.. هل تصبح مصر محورًا جديدًا لصناعة السكك الحديدية؟

تعبيرية
تعبيرية

في عالمٍ تُقاس فيه قوة الدول بقدرتها على الحركة، لا تصبح السكك الحديدية مجرد قضبانٍ من فولاذ، بل شرايين تنبض بالاقتصاد، وجسورًا خفية تعبر فوقها أحلام التنمية؛ فكل مسارٍ يُمهد، وكل ماكينةٍ تُدكّ بها السكة، ليس مجرد إجراءٍ فني، بل فعلٌ حضاري يُعيد صياغة العلاقة بين الدولة وزمنها، وبين الإرادة والإمكان.

 الاستثمار في الكوادر

هكذا يصبح الاستثمار في الماكينات والكوادر معًا إعلانًا عن فلسفة مختلفة؛ فلسفة ترى في البنية التحتية مرآةً لكرامة الدولة، وفي نقل المعرفة فعلًا سياديًا، وفي كل قضيبٍ يُلحَم بإتقان خطوةً إضافية نحو اقتصادٍ أكثر ثباتًا وقدرةً على المنافسة.

بدأت القصة في خطوة تعكس توجه الدولة نحو تعميق التصنيع المحلي وتوطين الصناعات الاستراتيجية، حيث عقد الفريق مهندس كامل الوزير، وزير النقل، اجتماعًا موسعًا مع ماكس تريور، الرئيس التنفيذي لشركة بلاسر النمساوية المتخصصة في تصميم وتصنيع معدات إنشاء وتجديد وصيانة خطوط السكك الحديدية، بحضور السفير جورج بوستينجر سفير النمسا بالقاهرة، إلى جانب قيادات وزارة النقل والهيئة القومية لسكك حديد مصر.

مركز إقليمي بصبغة تصنيعية

اللقاء لم يقتصر على مناقشة ملفات التعاون التقليدية، بل حمل رؤية أوسع تتجاوز حدود الصيانة الدورية، لتشمل إنشاء مركز إقليمي متكامل لصيانة ماكينات تجديدات السكة، وإنتاج قطع الغيار الخاصة بها، إلى جانب تنفيذ العمرات الجسيمة لماكينات السكك الحديدية، وذلك بأحد المواقع التابعة لورش السكك الحديدية في مصر.

ووفقًا لما طُرح خلال الاجتماع، فإن المركز المزمع إنشاؤه لن يقتصر دوره على تلبية احتياجات السوق المحلي، بل يستهدف التحول إلى قاعدة تصديرية تخدم الأسواق العربية والأفريقية ودول الشرق الأوسط، بما يعزز موقع مصر كمحور إقليمي لصناعة وخدمات السكك الحديدية.

توطين الصناعة

وفي مستهل اللقاء، أكد وزير النقل عمق العلاقات المصرية النمساوية، مشيدًا بالشراكة الممتدة بين الهيئة القومية لسكك حديد مصر وشركة بلاسر، والتي أثمرت على مدار سنوات عن دعم أسطول معدات الصيانة والتجديد.

وأشار الوزير إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من نموذج "الاستيراد والتشغيل" إلى نموذج "التصنيع والشراكة الإنتاجية"، في إطار خطة وزارة النقل للتعاون مع الشركات العالمية الجادة في توطين صناعات النقل المختلفة، وعلى رأسها صناعة مكونات ووسائل النقل.

وتعكس هذه التوجهات استراتيجية أشمل للدولة تستهدف تقليل الاعتماد على الخارج في توفير قطع الغيار والمكونات الحيوية، وخفض فاتورة الاستيراد، ونقل الخبرات الفنية والتكنولوجية إلى الكوادر المصرية.

تدريب وتأهيل الكوادر المصرية

من جانبه، أكد الرئيس التنفيذي لشركة بلاسر أن العمل جارٍ حاليًا على إعداد المخططين الفني والزمني للمشروع، تمهيدًا لعرضهما على الجانب المصري لاعتمادهما.

كما استعرض ما قامت به شركة بلاسر مصر من خطوات عملية في مجال تدريب المهندسين والفنيين والعمال المصريين، حيث بدأت بالفعل برامج تدريب متخصصة على أعمال صيانة ما بعد البيع للماكينات العاملة حاليًا، وكذلك للماكينات الجديدة الجاري توريدها لصالح الهيئة القومية لسكك حديد مصر، إضافة إلى الماكينات التي سبق توريدها لعدد من الدول العربية والأفريقية.

ويُعد هذا التوجه نحو التدريب المحلي ركيزة أساسية لنجاح مشروع المركز الإقليمي، إذ يضمن بناء قاعدة بشرية قادرة على إدارة وتشغيل وصيانة المعدات وفقًا لأحدث المعايير العالمية.

14 ماكينة

وتناول الاجتماع كذلك متابعة الجدول الزمني لتوريد 14 ماكينة صيانة متطورة متخصصة في صيانة المسارات الحديثة، في إطار خطة شاملة لدعم البنية التحتية لشبكة السكك الحديدية في مصر.

ويتضمن العقد توريد 4 ماكينات دك سكة طوالي، و2 ماكينة دك مفاتيح، و5 ماكينات تشكيل بازلت، و2 ماكينة فج سكة، و1 ماكينة لحام القضبان.

ومن المخطط البدء في توريد هذه الماكينات اعتبارًا من شهر يوليو المقبل، على أن يتم الانتهاء من تسليم جميع المعدات المتعاقد عليها بنهاية العام الجاري.

وتمثل هذه الماكينات إضافة نوعية لأسطول الصيانة، حيث تسهم في رفع كفاءة أعمال ضبط واستقامة القضبان، وتحسين مستوى الأمان، وإطالة العمر الافتراضي للمسارات، بما ينعكس مباشرة على انتظام حركة القطارات وتقليل الأعطال.

تحديث المنظومة

يأتي هذا التحرك في سياق خطة موسعة لتحديث منظومة السكك الحديدية المصرية، تشمل تطوير الوحدات المتحركة، وتحديث نظم الإشارات، وإعادة تأهيل البنية التحتية، بالتوازي مع تعزيز قدرات الصيانة الدورية والوقائية.

ويمثل إنشاء مركز إقليمي لصيانة ماكينات تجديدات السكة وإنتاج قطع الغيار خطوة استراتيجية نحو تحويل مصر من مستورد للتكنولوجيا إلى شريك في إنتاجها، بما يدعم الاقتصاد الوطني ويوفر فرص عمل متخصصة، ويعزز مكانة البلاد كمركز صناعي وخدمي في قطاع النقل على مستوى الإقليم.

صناعة المستقبل

وفي النهاية فتوطين صناعة صيانة السكك الحديدية يتجاوز حدود الاتفاقات التجارية، ليطرح سؤالًا أعمق: هل نكتفي باستهلاك التكنولوجيا أم نمتلك مفاتيحها؟ فالفارق بين من يستورد المعرفة ومن يُنتجها، هو الفارق بين تابعٍ للحظة، وصانعٍ للمستقبل.

وحين تتحول ورش الصيانة إلى مراكز إقليمية للخبرة والتصنيع، فإن المسألة لا تعود مجرد تطوير معدات، بل بناء وعيٍ صناعي جديد يؤمن بأن الاستقلال الحقيقي يبدأ من إتقان التفاصيل.

تم نسخ الرابط